عقيدة بني إسرائيل بين اضطراب التفكير ونزعة التمرد
د. محمد بن أحمد بن خالد البرواني
محمد للاستشارات والتدريب
[email protected]
يمثل القرآن الكريم مصدرًا غنيًا لفهم النفس البشرية وآليات التفكير والسلوك الإنساني، إذ لا يعرض الوقائع مجردة، بل يُبرز خلفياتها النفسية والعقلية. ومن أبرز النماذج التي تناولها القرآن بعمق، تجربة بني إسرائيل التي حفلت بتقلبات عقائدية وسلوكية لافتة. إن تحليل هذه التجربة من منظور علم النفس المعرفي يتيح لنا فهماً أدق لآليات الانحراف العقائدي، ودور التفكير والمعتقدات في توجيه السلوك.
ويقدّم القرآن الكريم النفس الإنسانية في صور متعددة، منفعلة بالإدراك، والتفسير، والذاكرة، والميل، والعادة. وهذه هي عناصر جوهرية يدرسها علم النفس المعرفي، الذي يهتم بكيفية معالجة العقل للمعلومات، وكيف تتشكل المعتقدات وتؤثر في اتخاذ القرارات. إنّ الربط بين هذين المصدرين، الوحي والعلم، يفتح آفاقًا جديدة لفهم التغيرات العقائدية التي مر بها بني إسرائيل.
ويُظهر القرآن الكريم بني إسرائيل كأمة شهدت معجزات عظيمة، لكنها ما لبثت أن انحرفت عن الطريق، فعبدوا العجل بعد أن نجّاهم الله من فرعون، وطلبوا إلها ماديًا حين قالوا: ” اجعل لنا الها كما لهم الهة ” والذي جاء في قول الله تعالى ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَىٰ قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَىٰ أَصْنَامٍ لَّهُمْ ۚ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَـٰهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ ۚ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ سورة الأعراف: 138.ورفضوا الدخول إلى الأرض المقدسة رغم الوعد الإلهي كما في قوله تعالى ( قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُوا فِيهَا ۖ فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ سورة المائدة، الآية 24 ؛هذه التحولات لا يمكن فهمها على أنها جهل مطلق، بل هي ناتجة عن اضطرابات معرفية عميقة، تدخل في مجالات علم النفس المعرفي (Cognitive Psychology) والذي هو فرع من فروع علم النفس يهتم بدراسة العمليات العقلية الداخلية التي تؤثر على السلوك فبني إسرائيل أو اليهود يعيشون صراعًا بين ما يؤمنون به وما يفعلونه، فيبررون سلوكهم المتناقض فيرون ان هم عالم متحضر وانهم حق لهم قتل ما دونهم من البشر الذين يعتبرونهم حيوانات وهذا التنافر المعرفي الظاهر في سلوكهم هو دليل قاطع على التناقض الشديد فيما يؤمنون وما يفعلون ؛ ومن السلوك الظاهر عليهم انهم دائما يتنصلون عن المسؤولية وهو ما يسمى في علم النفس المعرفي التحيز المعرفي وقد بين القران الكريم ذلك في قولهم ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ ۚ بَل لَّعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَّا يُؤْمِنُونَ﴾(سورة البقرة، آية 88) ؛أي مغلفة لا تستمع إلى شيء بهدف التنصل عن المسؤولية لانهم لا يرغبون إلا فيما يوافق أهوائهم وانطباعاتهم وبالتالي يكون في موضع الرغبة وعدم الرغبة في التغيير والايمان بالله تعالى وهذا اندرج في سلوكهم بشكل مستمر بحيث يستطيعون التغيير والقفز على المتفق عليه متى لم يلائم ذلك أهوائهم فتبقى اتفاقياتهم مفتوحة لصالحهم ومغلقة على غيرهم ؛ وبما أنهم متحيزون معرفيا فهم يشوهون المعرفة من أجل هذا التحيز فيحرفون الكلم عن موضعه ليوافق أهوائهم ومصالحهم التي تناسبهم فلا يعتدون بدين يضبط مشاعرهم وسلوكهم أو بقانون يحد من تصرفاتهم مع الاخرين وإنما يرغبون في المشاع والذي يناسب أهوائهم آنيا في وقته وقد يتغير ذلك الوضع في وقت آخر إلى شيء آخر مختلف وهكذا وفق مناسبته لرغباتهم ونزواتهم ويستطيعون تقديم المبررات التي يرون لفعلهم وتتغير هذا المبررات لنفس الفعل في مرات أخرى ومتعددة فينسون ما اتفق عليه بشكل متعمد متجاهلين ذلك بشكل انتقائي للمبادئ المحددة لذلك ذكره الله تعالى في كتابه ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ (سورة الأعراف، آية 165).
إن القرآن الكريم لم يهدف إلى تقديم سرد لتاريخ بني إسرائيل فحسب؛ بل تقديم دروس معرفية وسلوكية، وتصحيح أخطاء التفكير، وقد استخدم القرآن أساليب تشبه ما يعرف اليوم بالعلاج المعرفي السلوكي وقد عمل القران الكريم الى تصحيح هذه المفاهيم المشوشة لدى بني إسرائيل وتوجيههم نحو دعوة الله وتبيان ذلك لهم بالوقائع التي تقع عليهم ويشاهدونها ويرون نتائجها وحقائقها إلا أن قلوبهم كالحجارة بل أشد قسوة ويمكن تناول ذلك من منظور علم النفس المعرفي من خلال إعادة البناء المعرفي: كقولهم “إنما إلهكم الله” في الآية القرآنية (إِنَّمَا إِلَـٰهُكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِى لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ وَسِعَ كُلَّ شَىْءٍ عِلْمًا) سورة طه، الآية 98، وهو تصحيح لمفاهيم مشوشة حول الألوهية برغبتهم أن يكون لهم إله عندما رأوا الأقوام التي تعبد الأصنام على الرغم من مشاهدتهم المعجزات في انفلاق البحر ونجاتهم من فرعون وجنوده ، ومن أساليب العلاج المعرفي السرد القصصي وهو ما سبق به القرآن هذه العلوم ويرى علم النفس المعرفي أن هذا السرد تكرار يرسخ المفاهيم ويصحح النماذج الذهنية ، ومن الأساليب النفسية المعرفية التي بينها الله – عزوجل – في كتابه ، ومن الأساليب التي انتهجها القرآن الكريم في علاج اضطراب التفكير عند بني إسرائيل ونزعتهم نحو التمرد هو طرح الأسئلة المعرفية وتظهر جليا في قوله تعالى: “أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم؟” سورة البقرة، الآية 44، وهو أسلوب يعيد التفكير الذاتي وهو عملية عقلية يقوم فيها الإنسان بتأمل ذاته وتقييم أفكاره وسلوكياته ومشاعره، بهدف الفهم والتطوير.
إن النظر إلى بني إسرائيل من زاوية علم النفس المعرفي في ضوء القرآن الكريم تكشف كيف يمكن للعقيدة أن تتغير بسبب اختلالات في التفكير، والاعتقادات، والذاكرة، والإدراك. كما يُبرز القرآن ذاته كأداة إصلاح معرفي وتربوي، يقدم نماذج علاجية متقدمة تسبق ما توصّل إليه علم النفس الحديث. ومن هنا فإن دمج المقاربات القرآنية والنفسية المعرفية يمكن أن يكون أساسًا لفهم أعمق للسلوك الديني، وتحصينًا للعقيدة من الانحرافات التي تخالف مبادئ الحياة الإنسانية وما فطرت عليها.



