أكتب لغزة .. فإن الكتابة ما تبقى لنا

سليمان بن حمد العامري
الأمر موجعٌ حد الصمت.
هل فقدنا المشاعر،
أم أننا نقنع أنفسنا بكذبة كبرى لنرتاح من الحقيقة؟
هل نعيش حالة إنكار،
أم أن التخدير صار هو الخيار المريح كي لا نحترق بنار العجز والعار؟
غزة تذبح أمام أعيننا،
بكل أنواع التعذيب والإبادة.
جرائم تُرتكب كل يوم، كل ساعة، على يد عصابات صهيونية مجرمة لا تعرف للرحمة وجهًا.
ولا يتحرك العالم… ولا نتحرّك نحن!
نعيش زمن الخذلان،
زمن الصمت،
زمن الحيرة.
وفي خضم هذا الظلام،
يجب أن لا نصمت نحن.
يجب على كل كاتب، كل شاعر، كل صاحب ضمير
أن لا يبرح قلمه،
أن لا يجف حبره،
حتى وإن تكررت الجمل،
حتى وإن أعاد النصوص مرارًا.
فما تبقى لنا من أدوات الشرف إلا الكتابة…
قاطعوا أيها الشرفاء!
قاطعوا المنتجات الداعمة للصهاينة
لتعلو أصواتكم بالهتاف، لا بالإنكار الخافت.
أيها الفنانون، أصحاب الكلمة والصورة والنبض…
لا تنام أعينكم كنوم الجبناء.
توقفوا عن كل لهوٍ لا يليق،
واتجهوا بكثافة إلى وجع غزة،
اجعلوا من إبداعكم سلاحًا… ومن وجدانكم منبرًا… ومن حروفكم دمًا جديدًا في شرايين من بقي على قيد الضمير.
في التكرار حياة،
وفي التذكير مقاومة،
وفي الكتابة: شرفٌ أخير يتمسك به الأحرار.
وهنا نسأل أنفسنا بصوتٍ مبحوح:
هل نحن بحاجة إلى المعتصم؟
ذلك الذي دوت في قلبه صرخة امرأة،
فقال: لبيكِ!، وجيّش لها الجيوش وفتح عمّورية!
أم نحن بحاجة إلى الإمام العادل الصلت بن مالك،
ذلك العُماني العظيم، الذي حكم بشرع الله،
ونصر المستغيثين في سقطرى،
وأحيا هيبة الأمة بالفعل لا بالكلام؟
نحن بحاجة إلى كليهما…
إلى من يسمع الصرخة فيحرك القلوب التي سكنت وسُبِيَتْ،
وإلى من يزن الأمور بميزان الشريعة، لا بميزان المصالح الدنيوية.
نحن بحاجة إلى من يُحيي الأمة،
لا إلى من يوقع صكوك الصمت على دماء الشهداء.
فيا من بقي فيك قلب…
اكتب لغزة… فإن الكتابة ما تبقى لنا.
تكلم، قاوم، لا تكن إمّعةً في عصر الخذلان!
وإن ضاعت أصوات اليوم… فلنُحيِ صوت الأمس.
نستدعي من ذاكرة الأمة نداء الاستغاثة حين كان للكرامة رجال:
قل للإمام الذي تُرجى فضائلُهُ
ابن الكرام، وابن السادة النجب.
وابن الجحاجحة الشم الذين همُ
كانوا سَناها، وكانوا سادة العرب.
ما لي سواكَ إمامًا في النوائب إذ
حَلَّت بسُقطرى خُطوبٌ ذاتُ لَهَب.
غزوٌ أتى من نصارى الحبشِ قد وطئوا
أرضي، وعاثوا بها بالظلمِ والنَّهب.
قد قتلوا خَلقًا، واستُبيحتْ لنا
أعراضُنا، وانتهكوا كلّ محتجب.
يا ابنَ الكرام أغثنا إنّ مجدَكمُ
كالغيث يُرجى إذا ما أزمةُ الجَدب.
أنقذ بلادك من غزوٍ أحاط بها
فقد توالت علينا سطوةُ الكُرُب.
قد طال ليلُ الأسى يا خيرَ من نُدبتْ
إليهِ كلُّ الورى في الحادثِ الخطب.
