السبت: 07 مارس 2026م - العدد رقم 2847
مقالات صحفية

المخدرات واقتصاد الظل

سالمة بنت هلال الراسبية

تخوض الدول اليوم معارك طاحنة مع تجار المخدرات ومهربيها في كافة أرجاء العالم، وأشغلت مشكلة المخدرات أنظار الباحثين والمفكرين في مختلف بقاع العالم؛ إذ أصبحت معضلة من معضلات هذا العصر التي استعصى علاجها، لا سيما أنها شاعت وذاعت بين الصغار والكبار، والشيب والشباب، فلم تعد مشكلة قوم دون آخرين، بل عمت جميع أنحاء العالم.
إن جريمة تجارة المخدرات ظهرت في وقت مبكر من القرن العشرين؛ مما أدى إلى عقد أول مؤتمر دولي حول المخدرات في شنغهاي عام 1909. وفي العقود التي تلت ذلك، تم إنشاء نظام متعدد الأطراف للسيطرة على إنتاج المخدرات والاتجار بها وإساءة استخدامها.
مجرمو تجارة المخدرات يبحثون اليوم لهذه التجارة القائمة على الإجرام عن مكان وسط أهم مصادر الدخل والاقتصاد العالمي لتنافس الذهب والبترول؛ ما يعني خلق خلل كبير في النظام الاقتصادي العالمي، وإشغال العالم في توفير مراكز للتعافي وشراء الأدوية والعقاقير لمدمني المخدرات؛ ما يعني هدر ميزانيات الدول، نظرًا لارتباط مشكلة المخدرات بالجريمة المنظمة والفساد والجرائم الاقتصادية والإرهاب وسلسلة لا تنتهي من الأمراض المعدية والقاتلة؛ كالتهاب الكبد الوبائي وفيروس الإيدز والسل.
يتصيد تجار ومروجو المخدرات الفئات العمرية المنتجة في العالم، وهي من فئة الأعمار 18-30 سنة؛ كما تشير نتائج أغلب الدراسات إلى أن التفكك الأسري بسبب انفصال الزوجين أو وفاتهما، أهم عامل يدفع الكثير منهم إلى الانحراف والولوج إلى عالم المخدرات؛ ما يعني اضمحلال الاقتصاد على المدى القريب والبعيد وقصورًا في الأيدي العاملة المنتجة. وهو ما أظهره تقرير المخدرات العالمي لعام 2024 الصادم جدًا، حيث ارتفع عدد الأشخاص الذين يتعاطون المخدرات إلى 292 مليون شخص في عام 2022، بزيادة قدرها 20% على مدى 10 سنوات، وأن واحدًا فقط من كل 11 شخصًا يخضع للعل .’علاج
وسجّلت معدلات إنتاج الكوكايين وضبطياته واستخدامه مستويات قياسية جديدة في عام 2023، ما يجعله أسرع أسواق المخدرات غير المشروعة نموًا على مستوى العالم. فقد شهد الإنتاج غير المشروع قفزة كبيرة ليبلغ 3,708 أطنان، بزيادة تقارب 34% مقارنة بعام 2022، بينما حققت ضبطيات الكوكايين العالمية رقمًا قياسيًا بلغ 2,275 طنًا، بارتفاع قدره 68% خلال الفترة من 2019 إلى 2023. كما ارتفع عدد مستخدمي الكوكايين من 17 مليونًا في عام 2013 إلى 25 مليونًا في عام 2023.

تبحث الأمم المتحدة، ممثلة بلجنة المخدرات التي تتألف من 53 دولة عضوًا وتتخذ من فيينا مقرًا لها، عن حلول جذرية للحد من انتشار المخدرات؛ منها تفعيل العدالة من أجل الحد من تزايد جريمة المخدرات التي تهدد المجتمع وتساهم في تفشي الجرائم، كما حذرت من انتشار الفساد الذي قد يدفع بالجهات النافذة سياسيًا إلى التنافس على النفوذ والثراء، الذي قد يفتح الباب نحو التعاطي مع شبكات تجارة المخدرات وغسيل الأموال، وتكثيف برامج مراقبة الحاويات التابعة لمكتب الأمم المتحدة ومنظمة الجمارك العالمية، وهناك شراكة استراتيجية بين المكتب ومركز المعلومات الجنائية لمكافحة المخدرات لمجلس التعاون لدول الخليج العربية.
ولكن تبقى عمليات التهريب والطرق الاحتيالية التي يبتكرها تجار هذه الآفة تحديًا كبيرًا للدول، حيث يعد التهريب عن طريق البحر أكثر الوسائل المستخدمة من قبلهم، ما يعني أن وجودها في متناول الأيدي داخل الأماكن السكنية وبين أيدي المتعاطين أمرٌ ميسر في ظل تنقل البضائع في شركات النقل المحلية والخطوط الداخلية دون رقابة وتحكم جمركي؛ وهو ما استغله التجار والمهربون.
وكشفت “غادة والي”، المدير التنفيذي لمكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة: عن تقرير المخدرات العالمي الذي يشير إلى تنامي جماعات الجريمة المنظمة المتورطة في الاتجار بالمخدرات، ولا تزال قادرة على التكيف، إذ تستغل الأزمات العالمية وتستهدف الفئات السكانية الأكثر هشاشة. وأكدت والي: “من الضروري أن نستثمر في الوقاية ونعالج الأسباب الجذرية لتجارة المخدرات والمؤثرات العقلية على امتداد جميع مراحل سلسلة التوريد غير المشروعة. كما يتعين علينا تعزيز استجابتنا من خلال توظيف التكنولوجيا المتقدمة، وتعزيز التعاون عبر الحدود، وتوفير سبل عيش بديلة، واتخاذ إجراءات قضائية تستهدف الجهات الفاعلة الرئيسية التي تدير هذه الشبكات. ومن خلال نهج شامل ومنسق، يمكننا تفكيك المنظمات الإجرامية، وترسيخ الأمن العالمي، وحماية مجتمعاتنا.”
وأظهرت الدراسات أن كل دولار يُنفق على برامج الوقاية الجيدة يمكن أن يوفر على الحكومات ما قد يبلغ 10 دولارات في تكاليف لاحقة. وذلك لأن تكلفة الإخفاق في معالجة اضطرابات استخدام المخدرات باهظة الثمن، إذ أودت هذه الاضطرابات بحياة نحو نصف مليون شخص، وتسببت بفقدان 28 مليون سنة من سنوات الحياة الصحية بسبب الإعاقة والوفيات المبكرة خلال عام 2021.
وتشير التقديرات في عام 2023 إلى أن شخصًا واحدًا فقط من بين كل 12 شخصًا يعاني من اضطرابات استخدام المخدرات والمؤثرات العقلية تلقى أي شكل من أشكال العلاج، وتبرز أهمية السياسات الرشيدة وتوافر خدمات صحية واجتماعية قائمة على الأدلة في التخفيف من الأثر الصحي الناجم عن استخدام المخدرات على الأفراد والمجتمعات.
وحددت دراسات مماثلة أجريت في أستراليا وكندا خسائر تمثلت في خمول الأيدي العاملة بنسبة قدرها 0.3 في المائة و0.4 في المائة في الناتج المحلي الإجمالي، على التوالي. وفي هذين البلدين، قدرت التكاليف الناجمة عن الخسائر في الإنتاجية بأكثر من 3 أضعاف و8 أضعاف، على التوالي، من التكاليف ذات الصلة بالصحة بسبب الاعتلال المرضي، والرعاية الإسعافية، وزيارات الأطباء، وسائر العواقب ذات الصلة.
يسعى المتاجرون بالمخدرات في جميع أنحاء العالم إلى إفساد المسؤولين على كل المستويات في إنفاذ القانون والحوكمة، لكي يواصلوا أنشطتهم الإجرامية بلا عوائق. ونتيجة لذلك، كثيرًا ما يتعايش المواطنون في المناطق المتأثرة بذلك مع مؤسسات إنفاذ قانون غير نزيهة، وهذا ما يُشاهد اليوم في قارات مختلفة، حيث لا يزال العنان مطلقًا لزراعة شجرة الكوكا والأفيون على نحو غير مشروع؛ مما يزعزع استقرار المؤسسات الحكومية ويفسد المسؤولين الحكوميين. كما تسبب تجارة المخدرات وعمليات غسيل الأموال ظهور الاقتصاد الخفي مسايرًا للظل، والذي يصعب مراقبته أو التحكم والتأثير في متغيراته؛ مما يعمل على اهتزاز منظومة القيم نتيجة للفساد والرشاوى وتهريب الأموال للخارج، وتعاون البعض في عمليات تهريب المخدرات وغسيل الأموال. كما تتسبب تجارة المخدرات في إرباك السلطات النقدية في أي دولة، حيث يصبح من الصعب عليها مراقبة العملة المحلية ودعمها، كما أن سوء سمعة الدولة قد يحرمها من القروض والمساعدات، وخاصة الاستثمارات الأجنبية المباشرة.
وختامًا، إن القرارات السليمة والمشاركة في بناء مجتمع واقتصاد قوي ومتطور مبني على مبادئ الحوكمة الرشيدة يحتاج من الأفراد والمؤسسات التعاون وإتاحة الفرصة لجميع الشباب لإبراز قدراتهم واغتنام فرصهم لإبراز ذاتهم. وبات من الضروري إدماج سياسات ومبادرات مكافحة الاتجار بالمخدرات في برامج التنمية الوطنية في المؤسسات والجامعات والمدارس، وبناء برامج وقاية فعالة وناجعة تهدف إلى بناء مجتمعات محلية وأسر متماسكة، وتوظيف جمعيات المرأة العمانية ولجان التوفيق الأسري للحد من حالات الطلاق، والعمل على توظيف الشباب في القطاعات الحكومية والخاصة، وزيادة توظيف الشباب في السلك العسكري بشكل مباشر من خلال طرق أكثر مواءمة مع متطلبات المرحلة الحالية، فينتقل الطالب من مقعد الدراسة إلى مكانه في سوق العمل بشكل مباشر، وإشغالهم في تنمية مجتمعاتهم بدلاً من تركهم ضحايا في وسط الطريق، وتكثيف الوعي القانوني للأفراد حول العقوبات المترتبة على المتعاطي والتاجر والمهرب والمسهل لهذه العمليات، والذين يستغلون القصر وفاقدي الأهلية في تمرير السموم لضحاياهم. وقد شددت العقوبات في سلطنة عمان من خلال قانون مكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية (المعدل بالمرسوم السلطاني 24/2023) على مرتكبي الجرائم ليصل إلى عقوبة الإعدام أو السجن المؤبد والغرامة، كما جاء في الفصل التاسع مادة 43.
كما أن فرط انتشار شركات الشحن المحلية بشكل ملحوظ قد يسهل عملية تداول المواد المحظورة بين أيدي الضحايا، ومن هنا من الضروري بمكان تفعيل دور المؤسسات الرقابية وتشديد متابعة مرور البضائع بين الأفراد داخل الولايات المنتشرة في جميع أنحاء السلطنة، وإسناد هذه المهام إلى قنوات رسمية؛ مثل البريد الحكومي، وجعلها تابعة لمكاتب المحافظين، وإدخال أنظمة الذكاء الاصطناعي وتتبع مسارها، وتوظيف شباب عمانيين متخصصين في تلك المؤسسات، إضافة إلى الخبرات المتواجدة حاليًا؛ مما يسهم بشكل فعال في اضمحلال تمدد شبكات وسلاسل توريد المهربين والتي قد تكون متخفية على شكل “طلبيات” تنتقل بين أيدي المندوبين وربما لا يعلمون ما بداخلها من مواد قد تكون محظورة، مع تطبيق المادة (44) من نفس الفصل لمن تنطبق عليه العقوبات المحددة فيه. كما إن من الأهمية تغليظ العقوبة وتشديدها لمرتكبي الأفعال المنافية للأخلاق والذين يثبت تعاطيهم للمواد المخدرة حتى تصل إلى أقصى عقوبة، كون المخدرات ترتبط ارتباطًا وثيقًا بهذه الجرائم، والتي تقود إلى أعداد مهولة من المرضى المصابين بالأمراض المعدية، خاصة في ظل زيادة أعداد الوافدين.
إن سلطنة عمان اليوم تشهد تحولاً اقتصاديًا عالميًا في ظل النهضة المتجددة للقيادة الحكيمة لمولانا السلطان هيثم بن طارق، حفظه الله تعالى، وتواصل بعزيمة وثبات تنفيذ رؤية عمان 2040 لتحقيق استدامة مالية وتنوع الدخل وزيادة الدخل القومي، وتحسين تصنيف عمان في مؤشرات التنافسية العالمية ونسبة الاستثمار فيها؛ لذا علينا جميعًا المحافظة على هذه الإنجازات العظيمة، وأن يكون كل فرد عينًا ثانية لهذا الوطن العظيم يحرسه ويحميه ويحافظ على أمنه واستقراره، ومرافقه وموارده، والتصدي لكل ما يهدد وحدته وسلامته.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights