الأحد: 08 مارس 2026م - العدد رقم 2848
مقالات صحفية

مهلا فقد أسرفنا

ثاني بن مبارك الحبسي

تعتبر الهواتف من الوسائل التي أبدع الانسان في صنعها. ودخولها إلى عالمنا أحدث نقلة كبرى غيَّرت الكثير في حياتنا على جميع المستويات؛ فقرَّبت كل ما هو بعيد وسهَّلت الكثير من الأمور. ولا يمكن لأحد أن ينكر الإيجابيات التي وفرتها هذا الأداة الصغيرة، كما لا يمكن الاستغناء عنها لأهميتها اللامحدودة. ويمكن القول باختصار أن الهاتف عبارة عن مجموعة خدمات متنقلة في جهاز صغير لا يتعدى حجمه كف اليد.

وكما أن لكل اختراع إيجابيات، فغالبا ما تكون له سلبياته أيضاً. فقد سلبت منا تلك الهواتف أثمن ما نملك وهو الوقت، فصارت أغلب أوقاتنا تذهب سدى دون شعور بالوقت وأهميته. كما أبعَدَتنا هواتفنا عن التواصل المباشر مع الآخرين؛ حيث قلَّ الحوار رغم التقارب الجسدي، وصارت لقاءاتنا وجلساتنا يغلب عليها طابع الصمت؛ فأغلبنا قد شغلتهم هواتفهم. كما سلبتنا تلك الأداة الكثير من جماليات الحياة، وسرقت منا أجمل اللحظات التي كان من المفترض أن نعيشها مع من نحب ومع الآخرين.

فعلى المستوى الاجتماعي، وفي الجانب الأسري تحديداً ظهرت فجوة كبيرة بين أفراد الأسرة. فترى الأبناء كلٌ قد أخذ زاويته في المنزل وانشغل بهاتفه، وأعطاه كل اهتمامه، يتنقل بين تطبيقاته الواحد تلو الآخر دون شعور بالوقت وأهميته. كما أصبحت الحوارات بين أفراد الأسرة شبه معدومة، وربما وصل الأمر من قِبل الأبناء تجاه والديهم إلى درجة العقوق؛ فانشغالهم الزائد بهواتفهم جعلهم يقصِّرون في حقوق والديهم، وقد يتجاهل بعض الأبناء نداءات والديه، أو قد يتأفف بعضهم من والدية إذا قطعا عليه انشغاله وتركيزه بهاتفه. وربما خسر البعض متعة الجلوس مع الوالدين، والاستئناس بحديثهما، وهذا الأمر بحد ذاته من النعم العظيمة التي لا يدرك الواحد منا قيمتها إلا بعد فوات الأوان.

بل وصل الأمر لدى البعض الآخر أنه قد أخلَّ بآداب الحديث مع الآخرين؛ فقد تتحدث مع أحدهم وهو منشغل كليا بهاتفه، لا يُعيرك أي اهتمام، متجاهلا حضورك ووجودك أمامه، وهذا من سوء الأدب في التعامل مع الآخرين.

كذلك على صعيد تجمعات الأصدقاء والزملاء فلم يخلُ الأمر أيضا من تلك الفجوات. فتراهم في تجمعاتهم قد أعطى كل منهم هاتفه كل وقته واهتمامه، فصار التجمع جسديا فقط، أما العقول فهي في عالمٍ آخر. وقِس على ذلك الكثير من الشواهد والأمثلة.
لقد أصبح التباعد الاجتماعي واضحاً بمعناه الحقيقي من خلال هذا الواقع الذي نعيشه مع هواتفنا.

ولم يقف الأمر عند ذلك، بل تعداه ليشكل الهاتف أداة خطر، بل ووسيلة دمار عند الآخرين. فما نسمعه ونشاهده من حوادث سير ذهب ضحيتها الكثير من الأبرياء؛ تعد أكبر دليل وأوضح شاهد على ذلك. فالبعض لم يكفيه الانشغال بهاتفه في الأحوال العادية فقط، بل تجاوز ذلك إلى استخدام الهاتف أثناء قيادة السيارة. فيقوم بكتابة الرسائل، أو الاتصال، أو أيَّاً كان نوع الاستخدام، والنتيجة هي الانشغال والاهمال وعدم التركيز في القيادة؛ الأمر الذي يؤدي في نهاية المطاف إلى وقوع ما لا يُحمد عُقباه من كوارث ومصائب.
فكم من أرواحٍ أزهقت، وأطفال تيتَّمت، ونساء ترمَّلت، بل وبيوت بأكملها أغلقت، وكل ذلك سببه سوء استخدام الهاتف.

ونظراً لتلك السلبيات وما ينتج عنها من أخطار وأضرار على مستوى الفرد والمجتمع؛ فالجميع مطالب أن يقوم بدوره الإيجابي تجاه ذلك، فقد وصل الانشغال بالهواتف إلى حد الاسراف.

فعلى مستوى الأسرة يجب أن يكون للوالدين دورهما في نصح وتوجيه أبنائهما في هذا الجانب، وتوسيع دائرة الحوار والنقاش داخل الأسرة، وبيان أهمية الترابط الأسري للأبناء؛ لسد جميع الفجوات أمام الاستخدام السلبي للهاتف. وعدم ترك المجال لتلك الأجهزة أن تنفرد وتختلي بالأبناء مهما كانت أعمارهم.

وعلى مستوى الأفراد فيجب على الجميع صغاراً وكبارا أن يعوا خطورة تلك العزلة مع الهواتف، وأن يدرك الفرد مدى تأثير ذلك وانعكاساته السلبية اجتماعياً، وصحياً، ونفسيا. كما يجب ألا نعطي الهاتف تلك المساحة الزائدة التي يستحوذ من خلالها على معظم أوقاتنا، وألا نقدمه على أولوياتنا وواجباتنا تجاه أنفسنا وتجاه الآخرين؛ كي لا نكون أسرى برمجياته، وضحايا تطبيقاته. ولنحصر استخدام هواتفنا عند الضرورة فقط، ووفقا لما يلبي حاجاتنا، وألا نتعدى ذلك الإطار، وأن نجعل تلك الهواتف في حياتنا أداة إيجابية بكل المقاييس، لا وسيلة ضرر، وتضييعاً للوقت.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights