تهنئة
السبت: 06 يونيو 2026م - العدد رقم 2938
مقالات صحفية

الضوء في آخر النفق (الجزء الثالث والأخير)

د. طالب بن خليفة الهطالي
حين تنظر المؤسسات في مرآة وجودها، لا ينبغي لها أن تكتفي برؤية صورتها كما هي، بل كما يمكن أن تكون؛ فالإصلاح الحقيقي لا يُولد من مراكز القرار وحدها، بل ينبثق من وعي جمعي يشتد حين تتلاقى الأسئلة الوجودية للمؤسسة: من نحن؟ لماذا بدأنا؟ وإلى أين نمضي؟
فمن دون هذا الوعي، يظل التغيير مجرد زخرفة للواقع؛ لا زحزحة لجذوره الراسخة في الركود. لقد بيّنا في هذا المقال بأجزائه الثلاثة أن الإصلاح ليس مشروعا إداريا سطحيا؛ بل خيار وجودي يتصل بجوهر الكيان لا بمظهره؛ فهو لا يبدأ حين تقرر المؤسسة أن تتغير، بل حين تعترف بأنها لم تعد على ما كانت عليه، وأنها تفقد تدريجيا هويتها الأصلية، وتكرر ممارساتها دون وعيٍ بالتحول الداخلي.

ومن هنا، فإن الإصلاح يصبح فعلا روحيا قبل أن يكون قرارا هيكليا؛ لأن الخلل حين يستوطن الثقافة، يصبح أعمق من أن يعالج بحلول شكلية أو بأدوات خارجية.
وقد مررنا بفكرة محورية، وهي أن الإدارة ليست سلطة، بل مسار يتجدد؛ وأن القيادة ليست امتلاكا للقرار، بل بثّ للمعنى وتحفيز للمسؤولية لدى الجميع. ليست هذه كلمات مثالية، بل قواعد فلسفية تؤكدها التجارب وتعضدها النصوص؛ ألم يقل الله تعالى:﴿إِن يُرِيدَا إِصْلَاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء: 35]؛ في إشارة عميقة إلى أن التوفيق الإلهي لا يُمنح لمن يبحث عن حلول سطحية، بل لمن يصدق النية، ويُخلص الإرادة، ويتواضع أمام المعنى.

وفي هذا السياق، تستوقفنا مقولة الفيلسوف نصيف نصّار: “الإصلاح لا يعني فقط تغيير الأحوال، بل تغيير شروط التفكير في الأحوال”؛ وهي عبارة تشكل مفتاحا منهجيا لفهم كيف تتحول بعض المؤسسات إلى قوى راكدة؛ لا لأنها تفتقر إلى الموارد، بل لأنها تعجز عن مساءلة منطقها التنظيمي، وتستمر في إعادة إنتاج الفشل بالأدوات نفسها التي صنعت الإخفاق في الأصل.

إن أكبر الأزمات التنظيمية لا تقع حين تتوقف المؤسسة عن التقدم؛ بل حين لا تدرك أنها توقفت؛ وهنا يصبح الإصلاح مجرد تمثيل، إذا لم يسبقه اعتراف صادق، وحوار داخلي جريء، واستعداد لتحمّل ثمن التغيير: إعادة هيكلة الثقافة، وترسيخ منظومة القيم، وإطلاق نقد مؤسسي لا يستثني أحدا؛ وهذا يتطلب شجاعة قول الحقيقة، ورحمة استيعابها، وصدق النية في البدء.

وقد قال الإمام علي كرم الله وجهه: “الحق لم يُترك لِمَن قلّده، بل يُتبع حيثما وُجد”؛ والقيادة الإصلاحية لا تقف عند مصالحها، بل تتبع الحق، حتى وإن كان مؤلما؛ لأنها تعي أن الحقيقة إذا غابت، حضر الزيف في صورة إنجاز، والغرور في هيئة ثقة. ومن هنا، نؤمن أن النهوض لا يتحقق باستعجال النتائج؛ بل بـتبطيء الفكر لاستيعاب الجذور؛ فليست المشكلة في مؤشرات الأداء وحدها، بل في طبيعة ما نقيس، ولماذا نقيس. إذا كنت لا تملك شجاعة الفشل، فلن تذوق طعم النجاح؛ وإن لم تراجع طريقك، فقد تكون تكرّر ضياعك بثقة زائفة.قال الشاعر:

ومن لم يذق مُرّ التعلّم ساعةً :: تجرّع ذُلّ الجهل طولَ حياتهِ

ولم يكن الحديث عن التعلّم وحده، بل عن الإصلاح أيضا؛ فالإصلاح هو التعلم الأكبر: أن تتعلم كيف ترى المؤسسة من الداخل، وتُفكك أعذارها، وتُنقّي نواياها، وتبعث فيها الحياة. ولا بد أن نؤكد أن الإصلاح لا ينجح إذا كان فعل فرد؛ بل حين يصبح جهدا جماعيا واعيا؛ فكما أن الاعتراف لا يكتمل إلا إذا كان جماعيا، فإن الإصلاح لا يستقيم إذا بُني على مجاملة فكرية، أو على خوف من مواجهة الواقع. وقد قال العرب: من أمهل الفساد، أورثَ الفقد؛ وما لم تملك المؤسسة شجاعة الانطلاق، فستفقد تدريجيا مبرر وجودها.

وفي النهاية، حين يُضاء النفق من الداخل، لا يعود النور مجرد وعد في آخر الطريق؛ بل يتحول إلى فعل حيّ في كل خطوة؛ فالإصلاح ليس نقطة وصول، بل إعادة خلق مستمر للمعنى، وتجديد دائم للرؤية، وصبرٌ شريف على العبور. والعظمة لا تكمن في أن نكون أقوى من الآخرين؛ بل في أن نكون أصدق مع أنفسنا، وأوفى لرسالتنا، وأرحم بمن نديرهم ونقودهم

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights