الأربعاء: 11 مارس 2026م - العدد رقم 2851
مقالات صحفية

السلطة الشرعية (الجزء الرابع)

العلاقة بين الشرعية والسلطة في الفكر السياسي الإسلامي: رؤية تحليلية مقارنة

د.حسن السالمي

يرى بعض المفكرين أن الفصل بين الشرعية والسلطة غير ممكن من الناحية الجوهرية، وذلك استنادًا إلى الحجة القائلة بأنه في أي مجتمع تتمتع فيه الحكومة بالشرعية، فإنها بالضرورة تمتلك السلطة أيضًا. وبالمقابل، إذا اضطرت الحكومة إلى فرض سياساتها باستخدام القوة وحدها، فإن ذلك يشير إلى افتقارها للشرعية، وبالتالي عدم امتلاكها للسلطة بمعناها الحقيقي. بناءً على ذلك، يصعب التمييز بين الشرعية والسلطة.
على سبيل المثال، يؤكد “ماكس فيبر” أن الأفراد لا يطيعون إلا من يعتقدون أن لديهم شرعية للحكم. ومن هنا، يستنتج “فيبر” أنه يمكننا تحديد مدى شرعية القادة في نظر المجتمع من خلال تحليل طبيعة طاعة الأفراد لهم، وما إذا كانت تلك الطاعة تنبع من إرادة ووعي أو من الخضوع القسري (سنت، 1378، 30).
لكن الآن يبرز هذا السؤال: كيف يمكن تحليل الفرق بين الشرعية بمعنى “حقانية السلطة” والشرعية بمعنى “قانونية السلطة”؟
هذا الموضوع يُناقش بشكل خاص في سياق السلطة العقلانية، حيث يُطرح التساؤل حول العلاقة بين حقانية هذا النوع من السلطة وشرعيتها. ولهذا السبب، يرى بعض المفكرين أنه في مجال الشرعية، بالإضافة إلى مسألة عقلانية وقانونية السلطة، يجب أيضاً أخذ مسألة التوافق مع المعايير والقيم في الاعتبار.
إذا تم تصور أن الإيمان بالشرعية يمثل «مفهومًا تجريبيًا» ولا يرتبط جوهريًا بالحقيقة، فإن الأسس التي تستند إليها الشرعية بشكل واضح ستكتسب أهمية نفسية فقط. وبالتالي، فإن نطاق الإيمان بالشرعية سيتقلص إلى مجرد الإيمان بقانونية السلطة، ولن تكون هناك حاجة إلى الرجوع إلى أساليب قانونية لاتخاذ القرارات.
… ولكن وفقاً لرأي «يوهانس وينكلمان»، فإن العقلانية الشكلية بمعناها النظري لا توفر أساساً كافياً للشرعية. إن الامتثال للقانون بحد ذاته لا يُضفي الشرعية. وعلى العكس من ذلك، فإن إثبات الكفاءة القانونية يتطلب إجماعاً عاماً يستند إلى التوجه العقلاني المرتبط بالقيم الجذرية (هابرماس، 1380، 207).
بشكل عام، بعيداً عن النقاش حول مدى إمكانية اكتساب الشرعية من خلال قانونيتها وعلاقتها بالحقانية والمعايير والقيم الاجتماعية، يبقى السؤال الأهم: ما هو الأثر والنتيجة العملية للشرعية في مجال السلطة؟ ربما تكون الإجابة الرئيسية على هذا السؤال هي أن الشرعية، بغض النظر عن نوعها، سواء كانت تقليدية، كاريزمية، أو قانونية، تؤدي إلى تحويل الطاعة تجاه السلطة إلى واجب، وتجعلها حقاً يُفرض. وهذا هو العملية التي من خلالها تتحول القوة إلى سلطة بفضل الشرعية.
“مايكل راش” يُشير في هذا السياق إلى أن «الشرعية، في جوهرها، هي حالة ذهنية تتواجد لدى المراقب، سواء كان هذا المراقب هو الشخص الذي يمارس السلطة أو الذي يخضع لها». ويُبرز أهمية الشرعية بالنسبة لأولئك الذين يمارسون السلطة أو يسعون إليها، مستشهداً بعبارة شهيرة من روسو في كتاب العقد الاجتماعي: «إن أقوى رجل لا يكون قوياً بما يكفي ليبقى دائماً حاكماً ما لم يحوّل قوته إلى حق والطاعة إلى واجب».
تُفسَّر الشرعية على أنها الأساس الذي يشرح سبب طاعة الناس لأولئك الذين يمارسون السلطة أو يدّعون امتلاكها. ومع ذلك، يشير “راش” إلى أن الاستقرار السياسي لا يعتمد فقط على أنظمة القيم المشتركة، أو على الاحترام العام لسلطة الدولة، أو حتى على الشرعية بحد ذاتها، كما أنه لا يتحقق بالقوة الوحشية الظاهرة. بل ينشأ الاستقرار نتيجة نسيج معقد من التبعية المتبادلة بين المؤسسات الاجتماعية والاقتصادية، والتي تُقسّم مراكز السلطة وتُضيف ضغوطاً متزايدة على الطاعة. وعلى الرغم من أن قوة الدولة تُعتبر عنصراً رئيسياً في هذه الهياكل، إلا أنها ليست العامل الوحيد المهم (راش، 1387، 61).

يتبع الجزء الخامس.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights