أن رآه استغنى

صالح بن ناصر المحروقي
من النَّادر أن يتبدلَ طبعُ الإنسان فجأةً، أو أن ينقلب قلبُه بين ليلةٍ وضُحاها، ولكن ما إن تسكُنْ في عقله فكرةُ الاستغناء، حتى تبدأَ ملامحُه في التحوُّل، ويتغير وجهُه الخفيّ، وإنْ ظلّ ظاهرُه كما كان، فالاستغناء ليس ثروةً، ولا جاهاً، ولا سلطةً، إنه وهمٌ صغير، يستقرُّ في النفس، فينمو فيها كما تنمو الحمى في الجسد.
“كَلَّا إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ، أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ” ، لاحظ كيفَ أنَّ القرآنَ الكريم لم يقل “أن استغنى” ، بل قال “أن رآه استغنى” ، ليبيِّن لنا أنّ الطغيانَ لا يبدأُ من حقيقة الامتلاك، بل من وهم الاستغناء، فليس الخطر في أن تملِك، بل في أنْ تظنَّ أن ما تملكُه يكفيكَ عن الناس وعن الله.
في دهاليز الوظائف العامة، ترى هذا الوهم أكثرَ وضوحاً، فكم من مسؤولٍ حين كان موظفاً عادياً، كنتَ تراه يمشي في الأسواق، ويردُّ السلامَ ويبتسمُ في وجه من يلقاهم، ويجلسُ على الأرض في المجالس، ويشاركُ الناسَ أتراحهم وأفراحهم، ثم ما إنْ أُعطي سلطة، أو تقلد منصباً، حتى سكنه شبحُ الاستغناء، فتبدلت لغتُه، وتجهّم وجهُه، وضاقَ صدرُه بمن كانوا بالأمس إخواناً له!
وليس الأمرُ سحراً، بل هي النفس إذا أَوهمت نفسها أنها اكتفت طغَت، والطغيانُ لا يكون بالضرورة جوراً علنياً، بل يكونُ أحياناً في إعراضٍ صامت، وترفّعٍ عن مخالطة الناس، وتجاهلٍ لحاجات الضعفاء.
وفكرة الطغيان بداعي الاستغناء لطالما تكررت في التاريخ القديم والمعاصر، فكم من دولةٍ قامت على القوة ثم سقطت بها، فقوم سبأ رأوا في رخائهم غنىً لا يُمسّ، فأعرضوا عن شُكر المُنعم، وظنوا أنهم ليسوا بحاجةٍ إلى أحد، فلما غمرهم وهم الاستغناء، سُلّط عليهم ما لم يحتسبوا، فانهارَ سدُّهم، وتفرّقَ جمعُهم، وذهب مجدُهم أدراجَ الرياح.
وفرعون هو مثالٌ آخرٌ للطغيان، فهو لم يكن ليقول “أنا ربُّكم الأعلى” لو لم يشعر قبلها أنه مستغنٍ عن الناس، ومستغنٍ عن خالقهم، وهذا حالُ كل طاغيةٍ قبله وبعده، يبدأُ من الفكرة لا من الفعل، ومن النظرة لا من السلطان.
وما يجري في مجتمعاتنا لا يختلف كثيراً عن هؤلاء، فتجدُ مسؤولاً هنا، أو تاجراً هناك، أو حتى رب أسرة، كلما اعتقد أنه فوق الآخرين، وأنه لا يحتاج إليهم، بدأ في فقدان إنسانيته شيئاً فشيئاً، فإذا هو فظُّ القلب، متعالِ النفس، قاسياً في موضعِ اللين، جامداً في موضعِ العطف، يظنُّ أنَّ عزلته رِفعة، وما درى أنه حين فقد الناس، فقد نفسه معهم!
ولعل أخطرَ ما في وهم الاستغناء، أنه لا يُشبع، فكما أنّ الطاغية لا يكتفي من السلطة، كذلك لا يكتفي المستغني من الغفلة، وكلما ازداد وهماً، ازداد بُعداً، وازداد احتقاراً للضعف، وكراهيةً للحاجة، ونفوراً من كل من يُذكّره بأنه بشر!
إنّ المجتمعات لا تُبنى بالاستغناء، بل بالتراحم، والسياسات لا تستقيم بالطغيان، بل بالتواضع، وما من شيءٍ يربطُ الإنسانَ بالإنسان كالإحساس بالحاجة، والحاجةُ ليست ضعفاً، بل هي دليل التماسك، أمّا حين يظنُّ الإنسان أنه أغنى من أن يَسمع، وأرفعُ من أن يَشعر، وأذكى من أن يتواضع، فذلك هو الطغيان في أبشع صوره.
وما أجملَ أن يُربّى الإنسان في نفسه الشعور بأنه ليس وحيداً، ولا غنياً بنفسه، بل هو في حقيقته مفتقرٌ إلى دعوةِ صديق، ونصيحةِ مُخلص، ودمعةِ أمّ، وبسمةِ ابن، ومُفتقرٌ إلى الله قبل أيِّ شيء آخر.
وقد ضربت السيرة النبوية أروعَ الأمثلة في نفي وهم الاستغناء، فقد كان رسول الله ﷺ ، وهو خير من وطئ الثرى، يجلسُ بين أصحابه كأحدهم، يأكلُ معهم، ويخصفُ نعله بيده، ويردّد: “اللهم لا تكِلني إلى نفسي طرفةَ عين”، فهكذا يكون الغنى الحقيقي؛ أن ترى حاجتك إلى الله في كل لحظة، وأن لا تأمن من نفسك مهما بلغت.
فاحذر أن ترى نفسك كما لم تكن، وأن تنظر من عُلوٍّ فتنسى من أنت، وإنْ مرّ بك وهمُ الاستغناء، فاجلس للحظةٍ مع فقير، أو استمع إلى مظلوم، أو اخلُ بنفسك في ظُلمة الليل، واستحضِر من أعماقك صوتاً يُذكرّك : “إنّ الإنسان ليطغى، أن رآه استغنى”.



