السبت: 07 مارس 2026م - العدد رقم 2847
مقالات صحفية

بين اليوم والأمس

ثاني بن مبارك الحبسي

لحظاتٌ من ذكريات الصغر قد يمر عليك طيفها بين الحين والآخر، لا سيما إذا كنتَ محتفظاً بشيءٍ من بقايا صور طفولتك، أو عندما تتاح لك فرصة سانحة فتختلي بنفسك ليأخذك الحنين إلى الماضي البعيد، فتستعرض مشاهد طفولتك في شريطٍ سريع. بعض اللحظات لا تزال محفورةً في ذاكرتك رغم مرور السنين التي تفصلك عن تلك المشاهد. لكن لحظات الطفولة العفوية ومشاهدها التي تخلو من أي زيفٍ أو تصنُّع، تأبى أن تفارق مخيلتك وستظل تحتفظ بمساحتها في خزائن ذاكرتك إلى الأبد.

تمتزج ذكريات الطفولة بين المضحك منها والمحزن، إلا أن الأجمل فيها هو أن طابع العفوية هو السمة الغالبة والأصدق في تلك الذكريات. عندما كنا أطفالاً، لم نكن نعرف سوى العفوية في كلامنا وإجاباتنا على أسئلة الآخرين وتعاملاتنا مع بعضنا بعضاً، وكذلك في أحاديثنا أثناء لعبنا. لم نكن نجد صعوبة في التعبير أو خلق مواضيع للنقاش، فكان كل شيءٍ يأتي بتلقائية وعفوية منسجمة مع طريقة تفكيرنا وعقليتنا في ذلك السن. صحيح أن بعض أحاديثنا في الوصف أو التعبير كانت لا تخلو أحياناً من بعض المبالغات والخيال، إلا أن ذلك لا يُعد كذباً في عرف الطفولة، لأن صفاء القلوب ونقاء السرائر في ذلك السن كان نابعاً من الفطرة والبراءة. لم نكن في طفولتنا نعرف طريقاً للكذب أو الخداع أو أي صفة سيئة، فكل تعاملاتنا وأفكارنا ومشاعرنا كانت تحكمها براءة الطفولة. ولعل حماسة الطفولة آنذاك هي ما جعلتنا نعيش تلك المشاعر النقية التلقائية بكل عفوية.

كانت أكبر أحلامنا في أيام الطفولة لا تتعدى امتلاك لعبةٍ ما نلهو بها أو نتباهى بها أمام أقراننا، وكم كانت تغمرنا السعادة عندما نشعر بامتلاك تلك اللعبة. وكان أقصى ما نفكر فيه في تلك المرحلة هو أن ننهي يومنا بكل ما نملك من طاقة وحيوية في المتعة والمرح واللعب واللهو، ولم نكن نفكر في الغد مطلقاً، فتفكيرنا كان محدوداً بذلك اليوم دون أن نتعداه إلى الغد. لم نكن نعرف ماذا يعني الوقت أو الزمن في تلك المرحلة البريئة، لأن ذلك كان يفوق مستوى تفكيرنا وعقلياتنا.

مرت السنوات سريعة كالبرق، وتجاوزنا مرحلة الطفولة. كبرت معنا أحلامنا وأفكارنا، وصرنا نرى الحياة من زاويةٍ أوسع. زادت اهتماماتنا، وكثرت انشغالاتنا، وتعرفنا على مفاهيم جديدة كنا في غنىً عنها أيام الطفولة. بدأنا ندخل في صراعات مع أنفسنا ومع الآخرين ومع الحياة ومع كل ما يحيط بنا. انتهى عهد البراءة والعفوية، وامتلأت بعض النفوس بصفاتٍ لم نكن نعرفها في أيام الطفولة، فصار البعض يتقمص أدوار الشر كالكذب والخداع والنفاق والحسد والغل والكراهية وغيرها من الصفات السيئة. تغير كل شيء، فأصبحنا نجري ونلهث خلف سراب الحياة الخادع، وصار كل همّنا هو الظهور بالأفضلية بين الآخرين، وصرنا نتسابق كي لا يكون أحدهم أفضل منا. أهملنا الجانب الروحي وتعلقنا بالجانب المادي، فصارت المظاهر هي الشعار السائد. لم تعد القلوب الآن كما كانت عليه أيام الطفولة، ولم تعد النفوس كما عهدناها أيام الصغر. لم يعد كل شيء كما كان في أيام الطفولة. كنا نعطي الحياة ظهورنا ونحن نلعب ونلهو في طفولتنا، واليوم أصبحنا نعطيها عقولنا وتفكيرنا وصحتنا وراحتنا في صراعنا معها.

فما أجمل أياماً مضت وانتهت بكل ما تحمله من ذكريات، وما أشقى صراعاً نعيشه اليوم مع الحياة.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights