التذمر من الوظيفية التقليدية

سيف بن علي العبري
عندما تتلقى أو تفتح أي وسيلة من وسائل التواصل الاجتماعي؛ ستجد معظم الناس حول العالم يتذمَّر من وظيفته، إما يصوِّر محتوى كوميديًا عنها، أو يسخر من مدير أو زميل، أو يشتكي من بيئة عمل مملة، أو ضعف الراتب والحوافز وغيرها الكثير. جرب أن تجلس مع أي شخص لأقل من خمس دقائق واطرح عليه سؤالا عن عمله ورأيه في وظيفته هذه.
أكتب لكم هذه المقال أثناء شرب قهوتي الصباحية مع مطالعة جريدة عمان باستمرار. في مكتبتي ” مكتبة بوثمانية” في سوق أبو ثمانية بولاية الرستاق.
لقد مرَّ على الثورة الصناعية نحو ثلاثة قرون فقط، وعلى إثرها انتشرت الوظائف التي نعملها اليوم. ومع ذلك يجد الناس أنفسهم قد اكتفوا منها وتركوها للغير.
يُروَّج لشكل العمل اليوم على أنَّه الأكثر إنسانية وفهمًا للحاجات البشرية المعاصرة؛ فساعات العمل محددة مع تأمين صحي وبدلات وإجازات وتوقيت العمل المرن. هذا صحيح، والعمل أجهزة الحاسب الالي وعلى الورق يبدو الوضع مثاليًا، ولكن الجيل الحالي ” الجيل الالكتروني” له رأيٌ آخر.
فبعد جائحة كورونا أدرك الشباب أن الحياة كانت تفوتهم في العمل الوظيفي وتوتّراته وضغوطه. واستوعب ” الجيل الالكتروني “بالذات أنه ليس مستعدًا للمساومة والتأقلم والتنازل للعمل في بيئة لا تحفّزه وقد تقيّده مع عوائد غير مجزية، خاصة مع توافر وسائل متجددة وغير تقليدية يمكن جني المال منها والوصول للثراء مع مرونة غير مسبوقة، إضافةً إلى إمكانية إدارة أنفسهم بأنفسهم.
ففي استطلاع للرأي أجريته مع مجموعة من الشباب من عمر 18 الى 27 سنة من ” الجيل الالكتروني ” أوضحوا ” إما يعملون في وظيفة حرفية أو يسعون للعمل فيها، مع أن بعضاً منهم يحمل شهادة جامعية. بينما صرَّح عددٌ منهم أنه يفضّل العمل بيديه على الوظيفة المكتبية الروتينية وبالدوام المرن. حتى لا يفوت رمسة الشلة حتى الصباح “.
لم يعد التخصص الجامعي بوابتك للوظيفة، بل بدأت الجهات تُظهِر مرونة كبيرة في توظيف الناس بغير تخصصاتهم. كذلك انتشرت على نطاق واسع مفاهيم موازنة الحياة والعمل، والرغبة في العمل لأجل العيش وليس العكس، على خلاف آبائنا وأجدادنا الذين كرَّسوا أعمارهم لكسب الرزق بعيدًا عن عوائلهم وهواياتهم وطموحاتهم الشخصية.
فيما يتَّجه ” الجيل الالكتروني ” للعمالة الوافدة للعمل في السباكة والحدادة والنجارة وغيرها من المهن التقليدية، فقد اختلف الأمر معنا. فقد شهدت بلادنا في السنوات القليلة الماضية تراجعاً مخيفا عن العمل اليدوي وبشكل كبير، واندثار الكثير من المهن والحرف والمهارات المرتبطة بالهوية الوطنية؛ مما أثَّر بشكل مباشر في قطاع العمل وكثير من القطاعات المختلفة ذات الصلة بهذا الأمر.
ومن هنا ومن هذا المنبر ” صحيفة النبأ الإلكترونية” نوجه الدعوة إلى رفع الوعي والفهم والإدراك الصحيح لمعنى الهوية الوطنية وتشجيع الشباب ودعمهم إلى الاتجاه للعمل المهني التقليدي، الاعتماد على “الجيل الالكتروني ” العمالة الوافدة الأجنبية هو عبث حقيقي للمستقبل الوظيفي للأجيال القادمة. وكل هذا ينعكس على خيارات الأجيال الشابة، ومنحهم متَّسعًا أكبر لممارسة مهن مختلفة والنجاح فيها، وما نراه على وسائل التواصل الاجتماعي من شجاعتهم في الخروج عن أمان الوظيفة إلى رحابة الاختيارات التي تمدُّهم بالرضا والإنجاز يستحق الإشادة.



