السبت: 07 مارس 2026م - العدد رقم 2847
مقالات صحفية

ضجيج الميناء.. وصوت الغاف!

مريم بنت سليمان الجابري

لا شيء في هذا الكون يظل على حاله؛ البشر، التكنولوجيا، الأماكن. كلها تتغير مع الزمن، ومع الفكر.
تأملت ملامح قريتي التي سكنها أجدادي منذ مئات السنين. لم تعد كما كانت.
كانوا يتغنّون بأشجار الغاف والنخيل، بحلقة المزارع، وبالفلج المترامي بينها.
لا تزال بعض معالمها صامدة حتى اللحظة، بينما اختفت أخرى تحت زحف التغيير.

لكن لا بأس.
فنحن لا نعود إلى الوراء… بل نمضي إلى الأمام، نحو الاستدامة، أو هكذا نأمل.

منذ أشهر، لفت انتباهي انتشار محلات بقالة ومطاعم بلافتات باللغة الصينية، وقليل منها بالعربية.
لقد وصل المستثمرون الصينيون إلى ميناء صحار برؤوس أموال ضخمة.
حتى خريطة المحالّ في قريتي تغيّرت من أجل استقطابهم. لم يعد المكان كما عرفته.

ضحكت حين سمعت تعليقًا من إحدى كبيرات السن في القرية. قالت متعجّبة:
“الصينيون يأكلون المشاكيك عند أطراف الشارع! بس إن شاء الله ما يرفعون سعرها علينا بسببهم”

جلست معها، وهي تحدثني عن قريتنا يوم كانت واحة صغيرة.
كبرت القرية… وكبرت معها أحلامها.
رأت المصانع تقام على أطرافها، وسمعت وعودًا بالتعويض عن قطعة الأرض الكبيرة التي كانت تملكها.
وقد حصلت على التعويض فعلًا، وأرسلت ابنها ليدرس الهندسة.

لكنه حتى الآن… لا يزال يبحث عن وظيفة!
هي لا تعرف تفاصيل تخصصه، لكنها ترى قريتها تتوسّع، والميناء يمتد، والوافدين يأتون من كل صوب للعمل هنا.
أما هو، وأبناء قريته من خريجي التخصصات المختلفة، فلا يزالون يركضون خلف حلم الوظيفة، وخلف حلمها.

كانت تتفقد كل زاوية في القرية بعين حنونة، وكأنها تسترجع طفولتها، وتتحدث بشغف عن أمنيتها: أن يعمل ابنها في هذه الأرض التي ترعرع فيها.
“ابن المكان أولى بخيراته”، تقولها بثقة وأمل.

ربّتُّ على كتفها برفق، وقلت:
“ليت الأمر بهذه البساطة يا عمّتي…”

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights