حصن سور آل هلال

عبدالعزيز بن عبدالله السعدي
لا يخفى على القارئ الكريم الأهمية التاريخية للقلاع والحصون في سلطنة عمان؛ فهو دليل قاطع على تاريخ هذا البلد العريق الذي يمتد منذ عصور ما قبل الميلاد إلى يومنا هذا. لقد تميز الإنسان العماني بقدرته على الإبداع المعماري والهندسي، ويظهر هذا جليا في البيوت الأثرية والحارات القديمة الموجودة في عدد من الولايات العمانية، ومنها حصن سور آل هلال الذي يعد أحد المعالم التاريخية المهمة.
الموقع الجغرافي:
يقع حصن سور آل هلال في سلطنة عُمان في محافظة شمال الباطنة في ولاية السويق، وبالتحديد في منطقة سور آل هلال التي تحدها من جهة الشمال بلدة الواسط، ومن جهة الشرق منطقة النبرة، ومن جهة الجنوب منطقة العقدة، أما من جهة الغرب فتحدها منطقة العريق. يوجد هذا الحصن في منطقة سهلية مليئة بأشجار السمر، خصوصا المناطق الواقعة جنوب الحصن؛ إذ إن المناطق الشمالية مأهولة بالسكان، وقد اختير هذا الموقع ليكون حصناً دفاعياً من الهجمات القادمة من المناطق الشمالية المطلة على البحر، ومن أي هجوم داخلي من جهة الجنوب. ويصف صاحب كتاب القلاع والحصون في سلطنة عُمان موقع الحصن، فيقول: “هناك موقعان مسوران يفصل بينهم حوالي 300 متر من موقع طريق الباطنة، وعلى بعد 9 كم غرب السويق”. الموقعان المسوران يقصد بهما سور المغابشة في النبرة، وسور آل هلال.
تاريخ البناء:
هنا أقف حائراً في تحديد المدة الزمنية في بناء الحصن، فمن خلال تتبع روايات المؤرخين العمانيين أمثال ابن رزيق (ت 1873م)، والسالمي (ت 1914م)، فيذكر ابن رزيق أنه “بعد ما مضى العجم عن صحار سار أحمد بن سعيد إلى بركاء، واستخلص حصنها بدون حرب”، ويتضح من كلامه أن أحمد بن سعيد استخلص حصون الباطنة في طريقه إلى بركاء، والسويق هي ضمن الباطنة وفيها حصن سور آل هلال فلا نستبعد إذن سيطرته على حصن سور آل هلال، وهو ما يؤكده السالمي في تحفة الأعيان بقوله: “والصحيح الذي يشهد له ظاهر الحال، وذكره ابن رزيق أن أحمد بن سعيد قد تغلب على حصون الباطنة، وما حولها بعد موت سيف بن سلطان”. ولا بد من التوضيح أن أواخر حكم دولة اليعاربة حدثت خلافات بين أفراد الأسرة اليعربية؛ فبعد وفاة الإمام سلطان بن سيف الثاني 1718م، تولى الحكم سيف بن سلطان، ولكنه لم يحسن إدارة الدولة؛ مما دفع العلماء إلى عزله ومبايعة سلطان بن مرشد إماما على عمان. لم يرضَ سيف بن سلطان، فقرر استرداد الحكم، فاستنجد بالفرس الذين رأوا في ذلك فرصة سانحة للتدخل في الشؤون الداخلية لعمان والسيطرة عليها، فنجحوا في السيطرة على مناطق واسعة من عمان، ومن المتوقع أن من ضمن هذه المناطق السويق، وحصن سور آل هلال. من هنا نستنتج ونرجح أن الفرس كان لهم دور في وضع حجر الأساس للحصن، وتحديد موقع البناء، ثم تمكن أبناء القبيلة لاحقا من بنائه، ونرجح أن مدة البناء كانت ما بين عام 1744م إلى عام 1806م، وحددت العام الأخير بناءً على تاريخ بدء التكتل الاجتماعي لقبيلة آل سعد، وتبقى هذه الاستنتاجات قابلة للنقد والتغيير.
التسمية:
“السور” نسبة إلى السور الموجود في الحصن، أما آل هلال فهي إحدى أفخاذ قبيلة آل سعد، ولا بد من الإشارة إلى أن القبيلة تتفرع إلى بطون، ثم أفخاذ، فبيوت، فأُسَر. وتتعدد بيوت فخذ آل هلال، ومنهم على سبيل المثال للحصر: يال ثاني، يال علي، يال محمد، يال مطر، يال بخيت.
يذكر المؤرخ السيابي صاحب كتاب إسعاف الأعيان عن أصل قبيلة آل سعد سكان الباطنة، فيقول: “من سعد بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان”. ويضيف السيابي في وصفهم: “منازلهم الباطنة من عمان، ولهم منها أكثرها، ولا تباريهم فيها قبيلة من قبائل عمان عدداً وعدة وأموالاً، وتاريخهم مجيد في عمان بكل معنى المجد والكرم، وشجاعة وفضلا وتقوى ودينا. وهم بطون متعددة…”. ويشير الضابط البريطاني صموئيل باريت مايلز (ت1914م) في كتابه الخليج بلدانه وقبائله إلى قبيلة آل سعد، فيقول: “عددهم ستة آلاف، وهم من الحزب الهناوي، وأبرز محاصيلهم الزراعية: التمر والقمح”.
تمكن رجال آل هلال من قبيلة آل سعد من بناء هذا الحصن، ويبدو لي أنهم استعانوا بجاليات غير عمانية في البناء؛ للاستفادة من مهاراتهم في الهندسة مثل (البلوش، والهنود)، وظهر ذلك جلياً في دقة التصميم والمهارة الفائقة في الهندسة المعمارية. ونظرا لنفوذ آل هلال القوي في تلك الأيام، ولدورهم البارز في بناء الحصن؛ فقد سُمِّي الحصن باسمهم “سور آل هلال”. وتعود أسباب بناء هذا الحصن من وجهة نظر الكاتب؛ إلى حالة عدم الاستقرار الداخلي في المنطقة بصورة خاصة، وفي عمان بوجه عام في القرن التاسع عشر، خصوصا بعد وفاة السيد سعيد بن سلطان عام 1856م، والنزاعات التي حدثت بين أبنائه، والتدخل الخارجي من بريطانيا. ويذكر العقيد البريطاني مايلز في هذا الشأن بعد أن حاول التوسط لحل الخلافات بين قبيلة آل سعد مع السيد تركي بن سعيد “أن تركي يرغب بإنها المفاوضات مع آل سعد…” وهذه عبارة مأخوذة من مراسلات طويلة كانت بين الطرفين. وكذلك؛ كانت القبيلة على خلافات مع قبائل مجاورة لها، كما أشار الباحث فهد السعدي في موسوعته. كل ذلك استدعى بناء هذا الحصن الشامخ.
النظام الهندسي وتفاصيل الحصن:
هو حصن كبير يضم أبراجا ركنية دائرية، ومدخلا من الناحية الشمالية، وقد بُنِيت الأسوار والأبراج بالطوب الطيني. والملفت للنظر أن الأبعاد الخارجية يبلغ طولها 85 مترا، وعرضها 73 مترا من الشمال إلى الجنوب، وتوجد أبراج دائرية عند الأركان الشمالية، ومبنى مستطيل الشكل في الركن الجنوبي، وهناك مبنى ثالث يلاصق السور من الجهة الشرقية.
أما من جهة الجنوب؛ فيوجد برج دائري فريد ذو قاعدة حجرية، والحجر العلوي للبرج مطلي بطبقة من الجص، وقد سُقِّف بخشب “الكندل” وهو خشب قوي جداً يتحمل أقسى الظروف، ويجلب عادة من الهند وإفريقيا، وكان الأهالي يستخدمونه في البناء. ولم يغفل البناؤون للحصن عن فتحات المدافع التي توجد على البرج بشكل مستدير. ويعلو البرج مركز مراقبة مرتفع، ويأخذ هذا المركز الشكل المقوس؛ لتوفير الحماية للمراقب من أي طلقات مباغته يقوم بها العدو. أما المنطقة المسورة في الركن الجنوبي الشرقي؛ فقد بُنِيَت لتوفير الحماية للسكان المحليين في حالة وقوع أي هجوم أو حصار للحصن، كما بني مسجد صغير في الركن نفسه.
يوجد في جدار السور من الجهتين الغربية والشرقية عدد من المخازن تعرف بـ “الجنوز”، تحفظ في بعضها المواد الغذائية من بينها التمر والعسل والبر، وفي بعضها الآخر يحفظ السلاح والذخائر الخاصة بالقبيلة. أما في وسط الحصن؛ فتوضح الآثار الداخلية وجود بقايا من قلعة مركزية كانت -فيما يبدو- مقرا إداريا يدار من خلاله كل ما يتعلق بالحصن، ويوجد بيت مال مسؤوليته توفير الغذاء والسلاح أثناء المواجهات العسكرية. وتجدر الإشارة إلى وجود شجرة (سدر) كبيرة في المناطق الشمالية للحصن، جُعِلت صفا دراسيا، فكان يستظل بها الطلبة ومعلم القرآن الكريم، الذي كان يقوم بتدريس أبناء المنطقة والأماكن القريبة من الحصن لمن أراد التعلم، ومن أبرز المعلمين فيها: علي بن حميد البسامي، والمعلم سعيد بن علي الربطي السعدي، كما توجد علوم أخرى تدرس في الحصن، مثل: الحديث، واللغة، والتاريخ. هذا مجمل ما وجد في الحصن وما استطعت التوصل إليه.
رُمِّمَ الحصن عدة مرات، وهو الآن في حالة ترميم، بعدما تعرض لإعصار شاهين الذي ضرب ولاية السويق عام 2021م، وخلف وراءه آثارا خطيرة؛ فقد دمر البرج الجنوبي الغربي.
وتوجد جنوب الحصن ثلاثة مساجد هي: مسجد الشيخ الفقيه العالم حمد بن خميس بن محمد الهلالي السعدي وينتسب إلى بيت يال علي أحد بيوت فخذ آل هلال السعدي. وقد كان الشيخ حمد أحد أبرز العلماء في عصره، ويلقب بـ “صاحب السنة”، ولا يسعني الحديث في هذا المقال عن هذه الشخصية ذات الأدوار السياسية والدينية؛ لأن الباحث فهد السعدي قد تناوله بشي من التفصيل في موسوعته. ولم يبقَ من أثر هذا المسجد شيء سوى تل مرتفع من التراب، فقد أثرت فيه عوامل التعرية الطبيعة. أما المسجد الثاني فهو: مسجد سهيل بن سالم السعدي من بيت يال محمد، وما زالت آثار المسجد موجودة حتى الآن، ولكن انهارت على نحو كبير خاصة بعد إعصار شاهين، ولم يبقَ سوى أركان المسجد. أما المسجد الثالث فهو: مسجد غابش من بيت أولاد ثاني، وطمست معالم هذا المسجد ولا يوجد له أثر باستثناء تلة ترابية مرتفعة.
ولا يفوتني في هذا المقال الحديث عن بعض اللقى الأثرية التي عُثِرَ عليها في جنوب السور، فقد عثر على (جحلة) وهي إناء فخاري يستخدم لشرب الماء ولحفظ الطعام، كما عثر على العديد من الطلقات البندقية، والأهم من ذلك أنه قد عُثِرَ على عملات نقدية تعود إلى العصور الهجرية الأولى. ونستشف من ذلك احتمالين، الأول أن المنطقة كانت مكانا لسك النقود قديما، والثاني أنها كانت سوقا رائجة تنوعت فيها الأنشطة الاقتصادية. وأميل إلى الرأي الأخير من أن المنطقة كانت تجارية؛ بسبب وفرة أخشاب السمر الذي كان الناس في أمس الحاجة إليه في الحقب الزمنية الماضية.
المراجع:
– ابن رزيق، حميد بن محمد، الفتح المبين في سيرة السادة البوسعيديين، تحقيق عبدالمنعم عامر و محمد مرسي، ط5، وزارة التراث والثقافة، سلطنة عمان، 2001.
– السالمي، عبدالله بن حميد، تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان، الناشر، زاهر وزهير أبناء حفيد المؤلف، د.ط)
– السيابي، سالم بن حمود، إسعاف الأعيان في أنساب أهل عمان، منشورات المكتب الإسلامي، بيروت، 1965م.
– السعدي، فهد بن علي، التاريخ السياسي والعلمي للسويق والمصنعة، ذاكرة عمان، بركاء، 2015م.
– الشبلي، حمد بن سالم، السويق في ذاكرة التاريخ، ط2، دار الأنام للطباعة والنشر، لبنان، 2023م.
– مايلز، صمويل، الخليج بلدانه وقبائله، محمد أمين، ط2، وزارة التراث والثقافة، مسقط، 2016م.
– مجموعة من المؤلفين، القلاع والحصون في عمان، مكتب نائب رئيس مجلس الوزراء لشؤون مجلس الوزراء، مسقط، 1994م.
مقابلة شخصية مع كلٍ من:
سالم بن سعيد بن علي السعدي.
عبدالله بن راشد بن عبيد السعدي.
حميد بن سيف بن سالم السعدي.





