مقالات صحفية

كم من خنساءٍ في غزة؟!

إسماعيل بن مسعود الراشدي
@ismail_alrashdi1979

خلّد التاريخ الشاعرة المخضرمة “تماضر بنت عمرو السلمية”، المعروفة بـ(الخنساء)، في موقفين بارزين. ففي الجاهلية، رثت أخاها صخرًا بقصائد شهيرة، اعتُبرت من أجمل ما قيل في الرثاء آنذاك، حيث قالت في أحدها:

وَإِنَّ صَخرًا لَمِقدامٌ إذا رَكِبوا
وَإِنَّ صَخرًا إذا جاعوا لَعَقّارُ
وَإِنَّ صَخرًا لَتَأتَمُّ الهُداةُ به
كأنَّهُ عَلَمٌ في رأسه نارُ

وقد قيل إن هذا البيت من أمدح أبيات الرثاء لبلاغته وجمال تشبيهه.

أما الموقف الثاني؛ فقد كان بعد إشراق فجر الإسلام، حين بلغها نبأ استشهاد أبنائها الأربعة، فلم تجزع، ولم تصرخ، وإنما قالت بكل إيمان وثبات:
«الحمد لله الذي شرّفني باستشهادهم، وإني أسأل الله أن يجمعني بهم في مستقر رحمته».

وقد خلدها التاريخ أنموذجًا رائعًا للصبر والاحتساب، ودليلًا على التغيّر الجذري الذي أحدثه الإسلام في التعامل مع المصائب؛ فبدلًا من البكاء والعويل المؤديين إلى الخطأ، أصبحت المصيبة بابًا للأجر والمغفرة للمبتلى والمتوفى على حد سواء.

تتوالى علينا الأنباء المريعة من غزة العزّة، وكم سمعنا من قصص تقشعرّ لها الأبدان، وتُدمي المقل -والله غالبٌ على أمره-.
فكم من عائلات مُسحت من السجلات المدنية كأرقام، ولكنها خُلّدت كذكريات وأحاسيس وقصص وثأرٍ حُفر في قلب التاريخ.

خنساء غزة الدكتورة آلاء النجار، لم تفقد أربعة من أبنائها فحسب؛ بل فجعت بتسعة من فلذات أكبادها دفعة واحدة، بينما كانت تمارس عملها في مجمع ناصر الطبي بخان يونس، تنقذ فيه أرواح الأطفال بما استطاعت إلى ذلك سبيلا.

يترأى لها المشهد ملايين المرات، فقد ودّعتهم نائمين، يحلمون بمستقبل يهربون به من واقعهم الأليم، فاستقبلتهم جثثًا متفحمة، واحدًا تلو الآخر.

لقد تأكد استشهاد الأبناء التسعة
–وسأذكرهم بأسمائهم لأنهم ليسوا أرقامًا، بل قصصًا تُروى للأجيال – وهم:
يحيى، رُكان، رُسلان، جُبران، إيف، ريفان، سيدين، لقمان، وسيدرا،
ستةٌ منهم حافظون لكتاب الله، كما أكّد عمّهم.
أما العاشر، آدم، فلا يزال حيًّا.

وبحسب ما نقلت “بي بي سي نيوز” عن رواية خالتهم “سحر النجار” أنها قالت لها من هول الصدمة: “الأولاد راحوا يا آلاء”. فتجيبني بإيمان وتسليم: “هم أحياء عند ربهم يرزقون”

وبعد أسبوع واحد، تأكد خبر استشهاد والدهم، الدكتور الشهيد حمدي النجار، فزاد من ألم الفقد، وعظّم البلاء، وكشف عن معدنٍ أصيلٍ لامرأةٍ غزّيةٍ مسلمةٍ ارتقت إلى قمة سنام الصبر والرضا بقضاء الله.

الدكتورة آلاء النجار، التي تجرّعت ألم فقدان الأبناء والزوج، ليست سوى أيقونة من أيقونات فلسطينيات قدّمن الغالي والنفيس؛ فقدن أبناءهن، وآباءهن، وأمهاتهن، وأزواجهن، وإخوانهن، وما ملكت أيمانهن، مما قلّ أو كثر.
وكما خُلِّدت الخنساء في التاريخ العربي، فقد أصبح لزامًا علينا تخليد ذكر هؤلاء النسوة اللائي ضحين بأعزّ ما يملكن في سبيل تراب فلسطين والقدس الشريف.

وبغصة وحرقة أقول: بدلا من أن نستغيث بالموتى والماضي التليد، أما آن للشرفاء أن يستفيقوا؟ أما آن للأحرار أن يكسروا قيد صمتهم وهوانهم؟ ماذا بقي ليُراق؟ وعن أي ماء وجه يبحثون؟.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights