علمتني الصحراء

محمد الزعابي
يطير طير صحراوي بمنقاره الطويل. الطير التائه في الصحراء يبحث عن فتات خبز، يتمنى لو أن الريح نقلته إلى مكان آخر، أو تمطر السماء غيثًا. هو محتاج لأي شيء يبل ريقه، لعله يروي عطشه ويمنحه الحياة.
هبط فوق نبتة جف معظمها تحت حر الشمس اللاهبة. كيف لهذا الطائر أن يقاوم الظروف القاسية والجفاف في هذا المكان القاسي؟ كنت أراقب صبره بصمت، وأشعر به يتحدى الجفاف كما أتحدى صعوبات حياتي.
مع أنني أحتفظ في سيارتي ببعض الخبز، إلا أنني أستمد من صبره القوة، عساها تنفعني في مواصلة رحلتي. ها هو ينزل ليأكل شيئًا، رجوت لو كانت عدسة هاتفي تستطيع أن تكشف لي ما يقتاته من رزق صغير في منقاره، ربما هو معتاد على هذا الغذاء البسيط.
أخذت ما عندي من الخبز، ورحت إلى مكان ليس ببعيد عن السيارة، وقطعت الخبز إلى فتات صغيرة لتسهيل ابتلاعها بمنقاره الأنيق. ولكن للأسف، لم تنجح خطتي. كنت أترقب المكان الذي نثرت فيه الفتات، آملاً أن يتغذى عليه، لكن الطيور قد تأكل أشياء برية غير ما توقعته، فأنا لا أملك خبرة في عالم الطيور سوى مشاهدة جمالها وهي تحلق في السماء الصافية.
مرت دقائق قليلة، وإذا بي أرى الضب يمشي بخطوات ثابتة، يرفع رأسه شامخًا كأنه ملك الصحراء. قررت أن أنزل لألتقط صورة جميلة لهذا المخلوق الذي أراه دائمًا في تجوالي في الصحراء.
حين رآني، بدأ بالجري، وأنا أجري خلفه وأنا ألهث، لكن لم يكن لي نصيب في الإمساك به. وددت لو استطعت تصويره، لكنه كان منافسًا قويًا في الجري، وكدت أسقط من التعب بعد جهد لم أعتده منذ فترة. فاللياقة عندي لها مواسم، أحيانًا تكون عالية وأحيانًا ضعيفة جدًا.
تأسفت حين اختفى الضب داخل جحره، فقد كنت أريد فقط أن أحفظ صورته. لم تمر سوى ثوانٍ حتى وجدت ضبًا آخر قد فارق الحياة. سبحان الله، فالآجل مكتوب لكل المخلوقات، ورغم ما أنعم الله عليهم به من طاقات لتحمل قسوة البيئة الصحراوية، قضى الله أن يغادر هذه الدنيا.
هذه الصحراء، بما فيها من قسوة وصبر، علّمتني دروسًا عديدة. علّمتني أن لكل مخلوق وطنًا يستطيع أن يتأقلم معه، مهما كانت الأقدار واشتدت الظروف. علّمتني أن الصبر وطن لا يخون، وأن الحياة تستمر رغم القسوة، وأن لكل منا مكانًا يزدهر فيه على طريقته الخاصة.





