أيام البركة والتسامح والسلام

صالح بن سعيد الحمداني
أشرقت على الأمة الإسلامية، كما في كل عام في مثل هذا الشهر، أيامٌ مباركة تنزل فيها الرحمات، وتُضاعف فيها الحسنات، وتُغفر فيها الزلات. إنها عشر ذي الحجة، أعظم أيام الدنيا، كما وصفها النبي محمد صلى الله عليه وسلم. أيامٌ اختصها الله بفضائل عظيمة، وجعل فيها الخير والبركة والفرصة للتوبة والرجوع إليه، والسمو بالنفوس من وحل الدنيا إلى نور الطاعة.
إن فضل هذه الأيام يبدأ من عظمة القسم الإلهي بها، حيث يقول الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿وَالْفَجْرِ ١ وَلَيَالٍ عَشْرٍ ٢﴾ [الفجر: ١-٢]، وهي الأيام العشر من ذي الحجة كما أجمع المفسرون. ولو لم يكن فيها من الفضل إلا أن الله أقسم بها لكان ذلك كافيًا في بيان مكانتها وعلوّ قدرها.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام العشر»، قالوا: يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: «ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع من ذلك بشيء» (رواه البخاري).
ما أجمل أن نستقبل هذه الأيام ونحن ندرك أنها منحة ربانية وفرصة سنوية للارتقاء الروحي، موسم الطاعات والتزود من الخير، حيث تُفتح أبواب السماء، وتُقبل الدعوات، وتُضاعف الأجور، وتتسابق القلوب في الطاعة. ومن أبرز العبادات التي تُستحب في عشر ذي الحجة: الصيام، وخاصة صيام يوم عرفة الذي يُكفّر سنة ماضية وسنة قادمة، ومنها الذكر والتكبير والتهليل، فهي من السنن المهجورة التي كان الصحابة يحرصون على إحيائها، والصدقة وصلة الأرحام، فهما من أعظم القربات في هذه الأيام، والحج لمن استطاع إليه سبيلًا، وهو الركن العظيم الذي تتميز به هذه الأيام المباركة، والعمرة، فهما من أعظم الأعمال التي تقرب العبد إلى الله، وقراءة القرآن، والقيام، والدعاء، وهي كلها أعمالٌ يثاب عليها المؤمن أضعافًا مضاعفة في هذه الأيام الفضيلة.
لكن الطاعة في الإسلام ليست محصورة في الشعائر فقط، بل تتجاوز ذلك إلى ما هو أعمق أثرًا، ألا وهو طهارة القلب وسلامة الصدر. ففي هذه الأيام العظيمة، نحن أحوج ما نكون إلى التسامح ونبذ الأحقاد ومدّ جسور المحبة والأخوة مع من حولنا. إنها أيام للتسامح والألفة ونبذ الخلاف وسمو النفس وعلو الأخلاق.
لقد أكّد النبي صلى الله عليه وسلم مرارًا على مكانة إصلاح القلوب، فقال: «ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟» قالوا: بلى يا رسول الله. قال: «إصلاح ذات البين، فإن فساد ذات البين هي الحالقة» (رواه أبو داود).
كم من صداقات تمزّقت لأسباب تافهة! وكم من أرحام تقطعت بسبب كلمة أو خلاف عابر! وكم من قلوب تعيش الحزن والألم بسبب خصومة كان بالإمكان تجاوزها؟
في عشر ذي الحجة، لنُطهر قلوبنا، ولنعفُ عمّن أساء، ولنتواصل مع من قاطعنا، فذلك هو العمل الصالح الذي يحبه الله. فكما نرجو من الله أن يغفر لنا، فلنغفر نحن أيضًا لمن حولنا.
ومع اقتراب عيد الأضحى المبارك، يكون للحديث عن التسامح والألفة أهمية خاصة، فالعيد ليس فقط مناسبة للفرح والمظاهر الاجتماعية، بل هو فرصة روحية عظيمة لتجديد العلاقات وبناء المحبة وزرع الابتسامة في وجوه الآخرين. فالاستعداد للعيد بقلوب مملوءة بالسلام قبل ارتداء الجديد.
كم هو جميل أن نستقبل العيد وقلوبنا بيضاء لا تحمل حقدًا ولا حسدًا ولا خصومة! كم هو راقٍ أن نعيد وصل من قطعناه وأن نُصلح ما أفسده الشيطان بيننا! فالهدية البسيطة أو الرسالة القصيرة أو المكالمة الهاتفية التي تبدأ بعبارة: «كل عام وأنت بخير»، قد تفتح أبوابًا من المحبة والرضا لا يعلم مداها إلا الله.
وقد قيل في الحكمة: «تقديم وردة لشخص على قيد الحياة، خير من ألف وردة على قبره». فلنمنح من حولنا الاهتمام والمحبة وهم بيننا بدل أن نندم حين لا ينفع الندم.
أيها القارئ الكريم، هذه الأيام المباركة تمر سريعًا، ولكن أثرها قد يبقى مدى الحياة. اغتنمها بالطاعات، ولكن لا تنسَ أن تملأ قلبك بالمحبة والسلام، فالدين ليس فقط ما يُقام في المساجد، بل ما يُزرع في القلوب من رحمة، وما يُقال على الألسنة من صدق، وما يُبذل للناس من خير. دعوة مفتوحة لكل مسلم عاقل موقن بفضل الله الذي هو يؤتيه من يشاء.
فلنجعل من عشر ذي الحجة بداية جديدة لأنفسنا، نرتقي فيها بأخلاقنا، ونقترب فيها من الله ومن الناس، فذلك هو الفوز الحقيقي.
نسأل الله أن يبارك لنا في هذه الأيام العشر، وأن يرزقنا فيها القبول والتوبةَ، وأن يجعل عيدنا عيدَ خيرٍ وسلامٍ وموسمًا للمحبة والوئام، وتقبل الله منا جميعًا صالحات الأعمال. وكل عام وأنتم بخير.



