سفينة الحِجْرِ (الجزء الثاني)
د. طالب بن خليفة الهطالي
منذ أن ورد قوله تعالى: ﴿هل في ذلك قسم لذي حجر﴾، ارتبط العقل في الخطاب القرآني بمكانة عالية؛ ليس فقط كأداة للتفكير أو وسيلة لفهم الواقع، بل كركيزة وجودية، عليها تُبنى المسؤولية، وتُناط بها قيمة الإنسان. العقل في القرآن ليس شيئًا يضاف إلى الإنسان، بل هو الإنسان نفسه حين يعي، ويتأمل، ويختار. لكن هذه الصورة السامية تغيّرت، فالعقل الذي كان يوما شعلة للتمييز، صار اليوم مشوشا، مقيدا، ومشروطا بالبقاء داخل أطر مأمونة، إذ لم يعد العقل منارة للهداية، بل تحول إلى أداة للامتثال، ففقد دوره في التمييز بين الصواب والخطأ، وبات يُستخدم لتبرير الواقع، لا لتغييره وكأننا نعيش عصرا لا تُقمع فيه الحرية بالقوة، بل تُدفن بالزينة والإطراء.
هكذا تحوّل العقل من نور إلى ديكور، ومن محرك للتغيير إلى أداة للتكرار وكأننا أدخلنا طائرا حرا في قفص ذهبي؛ له أجنحة لكنه لا يطير، وله صوت لكنه لا يغني إلا بما يُسمح له، هكذا يعيش العقل الحديث داخل حدود من التوجيه اللطيف، حيث يُشجَّع على ما يُرضي، ويُمنع بلطف عما يُزعج. وهنا يبدأ السؤال: من أين جاءت هذه الأزمة؟ هل من ضعف في العقل ذاته؟ أم من ثقافة تخاف التجريب؟ أم من أنظمة ترى الصمت حكمة والامتثال أمانا؟
هذه الأسئلة لا تسعى لإجابات مباشرة، بل تحاول أن توقظ وعيا جديدا؛ وعيٌ يعيد الاعتبار للعقل كأداة للبحث لا للتزيين، وللتساؤل لا للامتثال، كالموظف الذي يقدّم اقتراحا لتحسين العمل، فيُقابل بالرفض لأنه يخرق النظام وهذا رفض ضمني للعقل المبدع.
لقد أصبحت الطاعة تغلّف التفكير كما تغلف الزينة الجدران، والعقل يُكافأ حين يكرر ويُقصى حين يجرب، لم يُغلق بابه بالقوة، بل زُيّنت جدرانه بلون الطاعة، حتى بات يظن أن التكرار فضيلة، وأن الخروج عن المألوف مخاطرة. فالعقل ليس صندوقا نملؤه بما نشاء، بل طريق نخوضه بخوف مسؤول وشك بناء. إن التفكير لا يقاس بكمية المعلومات، بل بقدرة الإنسان على إعادة النظر، ومراجعة القناعات كشاب قرأ عشرات الكتب، لكنه لا يزال يعيد أفكارا تقليدية كما هي دون تمحيص ويقابل ذلك شاب آخر يقرأ القليل لكنه يفكر ويطرح أسئلة ويعيد صياغة فهمه للعالم. فالأسئلة الحقيقية لا تولد داخل الحلقات الرسمية فحسب، بل في المساحات التي نمنحها للذات كي تفكر بحرية، بعيدا عن رقابة المجتمع أو سلطة الجماعة.
وقيل: ليس من يحفظ هو من يُشكل جوهر العقل، بل من يعي أن للعقل وظيفة تتجاوز الاستظهار؛ وظيفة تردع التهور وتمنح الإنسان القدرة على التمييز، وترشده نحو الفعل المدروس، كمثل طفل يسأل عن بعض الأشياء التي يراها أمامه، فيُوبّخ لأنه تجرأ على السؤال، بينما هذه الأسئلة هي أول خطوة لفهم أعمق، وهنا يمكن القول إننا بحاجة إلى عقول لا تُصفّق فقط، بل تتردد وتفكر وتضيء، لأن العقل الحقيقي لا يرضى أن يكون مرآة لأفكار الآخرين، بل نافذة تطل منها الذات على العالم. هو عقل يقرأ الواقع لا ليخزنه، بل ليعيد تشكيله، فالمبدع لا يكتفي بوصف الشيء، بل يحاول أن يفهم أسبابه ويقترح حلولا له ولو على نطاق محدود.
إن الوعي النقدي لا يعني الاعتراض الدائم، بل التمييز بين الرأي والحقيقة، والقدرة على مراجعة القناعات دون أن يشعر الإنسان أن ذلك يُهدد انتماءه أو مكانته، فحين يعيد الإنسان النظر في موقف ما بحُرّية ويغير رأيه عن قناعة فهذا ليس تذبذبا، بل نضج عقلي، وإذا أردنا لهذا النمط من التفكير أن يترسخ، فعلينا أن نبدأ مبكرا: نُربي الناشئة على تحليل الأفكار، لا حفظها فقط، ونُعلّمهم أن السؤال لا يقل أهمية عن الجواب.
كما أن الثقافة العامة بحاجة إلى رموز فكرية تعيش هذا النمط: أشخاص لا يخجلون من مراجعة ذواتهم، ويُعلّمون الناس أن الاعتراف بالخطأ ليس ضعفًا بل نُضج. ففي بعض البيئات تُبنى صورة القدوة على الطاعة والانضباط فقط، ونرى المثالي هو من لا يعترض، الناجح هو من لا يسأل، والصالح هو من يردد ما يُقال، مثاله كالطالب الذي لا يتكلم في الصف فيمتدَح بأنه هادئ بينما المتسائل يُوصف بأنه مزعج أو مشاغب. إن القدوة الحقيقية ليست من تُكرر، بل من تُفكر، وليست من تُوافق دائما بل من تملك شجاعة السؤال وصدق المراجعة وجرأة التغيير، إن القدوة التي تفكر فإنها تحرّك مجتمعات، وتعيد تعريف النجاح؛ من كونه إنجازا ماديا إلى كونه مساهمة فكرية. فالمفكر الذي غيّر المجتمع بكتاب، أعمق تأثيرا من مسؤول كرر شعارات رسمية لعقود.
وإذا أردنا نهضة لا تكتفي بتكرار التاريخ، بل تصنعه، فعلينا أن نغيّر صورة البطل: البطل ليس من أطاع، بل من فكّر. إننا لا نتحدث عن العقل كي نجمّله، بل لنحرره. نحرره من الترويض، من الخوف، من ثقافة الامتثال، فصاحب الحِجر لم يسكت، بل سُئل: ﴿هل في ذلك قسم لذي حجر﴾، فأجاب بفعله قبل لسانه، وقال: أنا العقل، أنا السؤال، أنا النور في زمن الظلام.



