صرخة في وجه الحقيقة
د. طالب بن خليفة الهطالي
في الأزمنة التي يصير فيها السكوت فضيلة مصطنعة، ويُحتفى بالصمت على أنه حكمة، ويغلف التفريط بالمبادئ بأغلفة من العبارات المرنة كـالواقعية والهدوء والمصلحة العامة، في مجتمع تنمو لحظات فارقة يُختبر فيها الإنسان على ميزان الوعي والضمير، فليس كل صمت حكمة وليس كل تورّع عن الكلام فضيلة، تماما كما أن ليست كل كلمة تقال تعبيرا عن نور أو نبل، لأن الزمن الذي نعيشه قد قلب الموازين حتى صار الصمت غطاء يدار به الخوف وأصبحت الحكمة تبريرا لانسحاب الضمير، وصارت المجاملة دينا جديدا يتعبد به كثيرون كي لا يصطدموا ولا يتورطوا ولا يُستهدفوا.
في هذا الزمن لم تعد الحقيقة تقال لتعرف بل تقال لتستخدم، وتفصّل على المقاس وتعجن حسب الحاجة وتلوَن بلون المصلحة وتُزيّن كواجهة مزخرفة تخفي وراءها ممارسات معاكسة لما يُعلن. الحقيقة لم تقهر بالقوة فقط بل أُعدمت بالمجاملات وخنقت بالصمت وأُغرقت في وحل التبرير.
منذ متى صار الحياد فضيلة في حضرة الظلم؟ ومنذ متى بات التلون مهارة اجتماعية تُدرّس كجزء من ذكاء العلاقات؟ ومنذ متى صار التناقض سلوكا مبرراً باسم المرونة؟ إننا نعيش عصراً لم يعد فيه الكذب هو العدو الأول للحقيقة، بل الصمت المطبق واللا موقف والتهرب من الوضوح والتذرّع بالمصلحة الخاصة تحت كل قناع. في هذا المناخ، لا يطلب منك أن تكون بطلاً، ولا أن تصرخ في وجه العالم، بل فقط أن لا تساير الزيف، أن لا تهتف حين ترى العوج، وأن لا تصفق لأداء يناقض المبدأ.
إن الصرخة في وجه الحقيقة ليست رفضا لها، بل رفضٌ للكيفية التي تم العبث بها؛ كيف وُضعت على الألسن واختُزلت في الشعارات، ثم خُنقت في التطبيق، وأُهينت باسماء براقة، وكُتمت باسم اللياقة، وشوّهت باسم الواقعية، فحين قال تعالى:﴿وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ (النساء: 105) فهو هنا لم يخاطب المدافع العلني عن الخيانة، بل كل من يتورط فيها بالصمت أو بالخوف أو بالمجاملة أو بالتأجيل أو حتى بالانشغال عن قول الحق في لحظته.
في اللحظات الفارقة من عمر الإنسان، لا يختبر بالكم الذي يعرفه وإنما بالموقف الذي يتخذه تجاه ما يعرف، فليست رؤية الخطأ هي ما يُعرّف الإنسان، بل استجابته له، وما أكثر المرات التي يرى فيها الإنسان ظلما بيّنا أو انحرافا واضحا عن المعنى، ثم ينسحب من اللحظة بصمت بارد مبررا ذلك بأنه ليس من أهل الشأن، أو أن التدخل ليس من الحكمة أو أن المسألة لا تستحق الانفعال.
إن الصمت حين يوجه إلى مواضع الاختبار الأخلاقي، ليس امتناعا عن الكلام فحسب، بل تواطؤ هادئ ومشاركة سلبية تضفي شرعية خفية على ما لا يستحق أن يُترك دون مقاومة، وإنّ كل صمت في لحظة تستوجب النطق هو توقيع غير مرئي على استمرار الخطأ. لقد صار من المألوف في الكثير من السياقات أن يُقدّم الانسحاب الأخلاقي على أنه تعقّل، وأن تُلبس المواقف المائعة لبوس الاتزان، وأن يكافأ من لا يقول شيئا لأنه أكثر هدوءا ودبلوماسية وأقل تصادما، ولكن ما لا يقال هو أن هذا الهدوء الظاهري يخفي تحت جلده خيانة ناعمة للمعنى، وأن السلام الداخلي الذي يتحقق بالصمت عن الخطأ ليس إلا راحة زائفة تعتاش على حساب الحقيقة.
وفي تراث الفكر الإنساني كانت الكلمة أكثر من مجرد صوت، فقد كانت موقفا، وكانت الشهادة بالصمت أكثر قبحا من شهادة الزور بالنطق، وإن الصمت عن الخطأ لا يحفظ الكيان بل يُخدّره ويجرّده من ذاته، ويعيد تشكيله على هيئة مراقب سلبي، فيدير وجهه، لا لأنه لا يدرك، بل لأنه لا يريد أن يدفع ثمن الإدراك. إن الذين يُفضّلون أن لا يتورطوا في قول ما يجب أن يُقال، هم أنفسهم الذين يسهمون في أن يستمر الخطأ ويترسّخ، ويتحول من سلوك معزول إلى حالة طبيعية، والغريب أن هذا التبرير الذاتي يتضخم مع الوقت، حتى يُقنع الإنسان نفسه بأن صمته حكمة، وأن ترك الأمور تمشي كما هي هو شكل من أشكال النضج، وكأن النضج يعني ألا تقترب من نار الحقيقة مهما شعرت ببرد الزيف، والحقيقة، كما يصفها أصحاب الضمير الحيّ لا تحتاج إلى جموع، بل تحتاج إلى من يقف معها وحده حين ينكفئ الآخرون وتحتاج إلى من يدرك أن السكوت أحيانا ليس هدوءا، بل هروبٌ من ذاته، وتنكّرٌ لصوت داخلي يعرف جيدا أن ما يراه لا يليق بالكرامة ولا بالحق ولا بالإنسان.
ويمكن القول أن ليست كل يد امتدت لتحمل عبء القيادة قد تشربت حقا روح الخدمة، وليس كل من أُحيط بثقة الناس وارتفعت حوله التطلعات قد ارتقى في داخله إلى مستوى ما أُنيط به، فهناك فارق عظيم ودقيق وعميق بين من يرى في التكليف فرصة للعطاء، وبين من يراه مجالا للظهور وإشباع الرغبات، وبين من يقيس قراراته بميزان الضمير، ومن يقيسها بردود الأفعال، أو بمدى الحفاظ على صورته أمام الآخرين.
قد يظن من يُعهد إليه بمهمة ذات أثر في حياة الناس أن النجاح يكمن في الإدارة المحكمة أو الإنجاز الظاهري، بينما الحقيقة أن أول ما يُطلب منه هو صدق المعاملة مع المعنى الذي كُلّف به. لأن الرعاية ليست مجرد مهام، بل تعهّد غير معلن بأن يحرس المعنى لا أن يُجمّله. إن الأدوار التي تتصل بحياة الناس ليست أوسمة للتزين، بل عوالم من المسؤولية الهادئة التي لا يراها إلا من سكنها بنيّة صافية، ولعلّ أعظم ما يميّز من يتحمّل هذه الأدوار بصدق هو أنه لا يحتاج إلى أن يذكّر الآخرين بأنه مؤتمن؛ بل تنطق أفعاله بالصدق، ويكشف حضوره عن شعور دفين بأن الإنسان لا يُقاس بما يقول، بل بما يتجنّب أن يخون.
أن تكون جديرا بثقة قد مُنحت لك، لا يعني أن تحافظ على حضورك فقط،
بل أن تصون النور الذي جاءت به تلك الثقة، أن تختار الصدق حين يكون الصمت أسهل، وأن تمضي في الطريق وإن قلّ سالكوه، لأن الحقيقة لا تبحث عن من يُجيد تكرارها، بل عن من يختار أن يعيش في ظلها.



