المصارحة الزوجية

عائشة بنت سليمان القرطوبية
مودة و رحمة و سكن ، كلمات على قلتها تختصر منهج حياة بين شريكين ارتضيا أن يكونا نفسا ً واحدة ، يتشاركان الطريق في حياة ممزوجة بالحب و الأمل و السعادة و المسؤولية ، و ربما الألم .
و لابد من مقومات عدة لتستقيم الحياة بين الزوجين ، و تتسم حياتهما بالراحة و السعادة و المشاركة النفسية و الوجدانية ، و لعل من أهم هذه الأسس ، ( المصارحة الزوجية ) ، و التي تعتبر حجر الزاوية في بناء علاقة زوجية قوية ومتينة ، و تولد الثقة و الاستقرار ، و بإنعدامها يعيشون في ريبة و شك و ترقب و خشية من بعضهما ، مما ينذر بزلزال ، يهز أركان بيتهما ، على أن لهذه المصارحة حدود و ضوابط ، كما أن لها إيجابيات و سلبيات .
فالمصارحة الزوجية هي ( الحوار الايجابي و الفعال بين الزوجين في كل ما يتعلق بأمور حياتهم الزوجية )
فهي الركن الأساسي في خلق بيئة أسرية سليمة تؤدي إلى توازن الأسرة و تخطي كل العقبات .
فبعض الناس يتكلم بكل ما خطر له فتتبعثر خواطره ، يمنة و يسرة ، و قد تصيبه في مقتل إن باح بما لا يفيد ، فليس كل شيء يجب البوح و المصارحة به ، فهناك أمور إن تم المصارحة بها ، ربما تشعر الطرف الآخر بالإهانة ، أو الغصب ، أو قد يجرح الطرف الآخر ، فيجب أن يتحلى الزوجان بالحكمة و السياسة ، و لا يلقيان بالكلام على عواهنه ، خاصة إن كان أحدهما لا يتمتع بقدر كاف من الحكمة و الفهم و الإدراك .
و في الجانب الآخر فقد نجد بعض الأزواج الذين لا يتكلمون و لا يتصارحون ، يمكنون أنفسهم ما قد يؤدي إلى فجوة عميقة بينهما ، قد تكون نهايتها ، طلاق صامت أو خرس زوجي ، أو توتر دائم و قلق و ينشأ الجفاف العاطفي بين الزوجين ، ليفتش بعدها كل منهما عن نفسه خارج بيته .
إذاً المصارحة بين الأزواج تصح حين تكون في منطقة وسطى بين مطلقة و مفيدة ، و يجب على الزوجين أن يعلم كل منهما ماذا يجب أن يخفيا عن بعضهما و بماذا يجب أن يبوحان ، ملتزمين بآداب المصارحة و بذلك يَلِجَان إلى قلوب و عقول بعضهما ليكتمل التفاهم و التقارب ، و المصارحة لا تقتصر فقط على المشاكل و الخلافات، بل تشمل أيضاً مشاركة الأحلام و الطموحات و الأفراح و الأحزان، فهذا النوع من الإنفتاح العاطفي يعمق العلاقة الزوجية و يجعلها أكثر قوة .
فالمصارحة تساعد على إخراج مكنونات النفس و عدم تراكمها ، و التقريب بين وجهات النظر و أنماط السلوك ، و الشعور بالثقة المتبادلة و التقبل ، و الوقاية من كثير من المشكلات و حلها في مهدها ، و إشعار لكل طرف بأهميته عند الآخر ، و القدرة على تمييز الخطأ من الصواب ، و فهم الآخر في وقت قصير و زيادة الترابط الأسري ، فتجعل الزوجين كلاً منهما يشعر بآلام الآخر ، فيفرحان معاً ، و يحزنان سوياً ، و يمرضان سوياً .
فلا أسرار بين الزوجين ، فأسرار الزوجة هي أسرار الزوج و أسرار الزوج هي أسرار الزوجة ، إذ هما كالعقل الواحد في الجسد الواحد .
إن المصارحة هي أساس الحياة الزوجية و هي العمود الفقري في إقامة دعائم حياة أسرية سليمة خالية من الشكوك و الأوهام ، و بعيدة عن الأمراض النفسية و الإجتماعية التي تهدد كيان الأسرة بالإنهيار .
و هي الأساس السليم الذي تبنى عليه الحياة الزوجية ، و فقدان المصارحة يبدأ بالكتمان و يتدرج إلى الكذب و الموارية و المجاملة و الخديعة ، فكلما زادت المصارحة بين الزوجين ازداد ارتباطهما و قوِّيت علاقتهما ، و ذلك عبر القيام بسلوكيات متميزة و أساليب جذابة و ابتكار أوضاع لتغيير النمطية في التعامل ، و هذا كله يعطي مزيداً من البهجة و الرونق للحياة الزوجية ، فإذا ارتكزت عليها الحياة الزوجية ، كانت حياة هادئة ، و إذا فقدت في الحياة الزوجية فحياة الزوجين تعيسة يفقد كلا منهما ثقته في الآخر .
المصارحة الزوجية تؤجج العواطف و ترفع من حرارة المشاعر و تشعر بالتقارب و الأمان فلا تهديد و لا وعيد ، و تضع الزوجين في مواجهة المشاكل و عدم التهرب منها ، فالهروب يزيد المشاكل تعقيداً ، فإنعدام المصارحة في بعض الأمور تترك رواسب في النفس و لا تذوب نهائياً بكتمانها و عدم الإفصاح عنها ، و مع الوقت تصير مثل الجبال ، فموقف صغير مع موقف آخر مع موقف ثالث بلا إفصاح ، يجعل النفس غير سعيدة و ربما لا يدري الشخص لما هو في هذه الحالة اتجاه الشخص الآخر .
فتتأثر المشاكل لأتفه الأسباب، فلا يتحمل كل طرف الآخر لكلمة خرجت ، فيجب التخلص من ( الكيس المدفون ) بالمصارحة و الحوار و تبصير الطرف الآخر بأن هذا الفعل و السلوك قد ترك أثراً سيئاً ، فما تفسير هذا التصرف ، و هل يمكن ألا يتكرر مرة أخرى ؟
فلكل زوج خزان فارغ في الأصل ليس به شيء، يمتلئ عندما لا يصارح الزوجان بما في نفسهما فكل موقف يكتمه الزوجين في نفسهما يضيفا للخزان الفارغ ، و مع عدم المصارحة يزيد و يمتلئ ، ثم يطفح هذا الخزان و ينفجر فيشعر به ( الأولاد _ الوالدان _ الجيران _ الأصحاب ) فنجد خلافاتهما على ألسنة الآخرين مسموع بها ، فيجب على الزوج أن يتكلم مع زوجته و يفتح لها باب الإفصاح و المصارحة، و الزوجة تفرغ ما في خزانها ، و أن يستمع كل منها للآخر دون أن ينفعل .
فعلى قدر امتلاء الخزان على قدر تمني الفراق و بتفريغ الخزان و المصارحة تكون حياة الزوجين مستقرة و سعيدة .
فالمثل يقول العتاب صابون القلوب ، و كذلك المصارحة صابون يزيل البقع المتسخة من الحياة الزوجية سريعاً ،
فيا أيها الزوج تعلم أن تسمع لزوجتك و تصارحها
ويا أيتها الزوجة تعلمي أن تسمعي زوجك و تصارحيه .



