نقطة أول السطر .. حينما تمشي الكتب على الأرض .. وتُحادث القلوب في معرض مسقط

عادل بن حميد الجامعي
منذ افتُتحت أبواب معرض مسقط الدولي للكتاب لهذا العام، وأنا كأنني عدتُ إلى رحم الحياة الأولى..
كل يوم، عند الساعة الثانية والنصف بعد الظهيرة، أخرج من مكتبي متخففًا من أوراق العمل، متوضئًا بندى التوق إلى الكلمة،
أسير لا ألتفت إلى الخلف،
كأن عراص الفكر تناديني،
وكأن الأدب نفسه قد أقام لي موعدًا على هامش هذه التظاهرة الممتدة حتى الثالث من مايو.
هناك..
في قلب مركز عُمان للمؤتمرات والمعارض، ليس جناحًا عاديًا، ولا مكتبة متنقلة، بل كونٌ صغير يدور في فلك الحرف، أحرفٌ تمشي على الأرض، تصافح الزائرين، وتتدلّى من الرفوف كأنها تطلب أن تُحتضن.
كلما دخلت القاعات أبتدئ من الجناح الثالث ثم أذهب منطلقا إلى حضن الخامس، فالثاني أترامى كطفل صغير في أحضان أحبابه أمه وأبيه وعمته وخالته أشعر أني عصفور صغير انطلقت أجنحته.. لأول مرة تداعب النسائم
لا وجهة محددة، بل شوقٌ إلى كل ركن، كل عنوان، كل لونٍ على الغلاف يسحبني إليه كما تسحب الأغنية قلبَ عاشقٍ قديم.
أنظر في عيون الكتب،
أنصت.. فبعضها يهمس..
وبعض الكتب لا تصرخ عناوينها، لكنها تنظر إليك برجاءٍ خفي:
*اقرأني.. أنا لك، دون أن تدري، أنا من يبحث عنك*
أنا هنا لا أتصفح الورق، بل أصافح الأرواح التي سكبت نفسها في السطور، أستشعر همسات الكتّاب خلف الحبر، وأتأمل كيف أن صفحة التقديم تشبه مصافحة خجولة، والفهرس أشبه بمحادثة أولى، والإهداء.. آه، الإهداء هو نبضة القلب الأولى للكاتب.
في معرض مسقط، الكتب ليست مكدّسة، بل مصطفّة كأنها تتزين لاستقبال زوّارها..
كل كتاب يرتدي غلافه كما يرتدي العاشق ثوبه في ليلة موعده الأولى، تنتظر أن تُختار، أن تُلمس برفق، أن تُفتح على الصفحة الأولى.. وتُقرأ بعيون متلهفة.
الممرات ليست ممرات، بل شرايين الحياة الثقافية،
تسري فيها أرواح الباحثين، وأحلام الكتّاب،
هنا صبية يركضون فرحين بعد أن وقّع كاتبهم المفضل على غلاف كتابهم، وهناك شيخ يتأمل كتابا مذهّب، كأنه صديقٌ افترقا منذ سنين، وفي الطرف الآخر..
صحفيٌّ يركض خلف صورة، وكاميرا تتنقّل وكأنها عين الحقيقة تبحث عن لحظةٍ لا تُكرر.
العدسات ليست باردة،
بل دافئة بما يكفي أن تلتقط فرحة طفلٍ يحمل كتابًا أكبر منه، وحياء كاتبة توقّع لأول مرة وتكتب اسمها بيدٍ ترتجف من الفرح.
حتى الرفوف في معرض مسقط..
لا تكتفي بعرض الكتب،
بل تعرض القلوب التي خطّت هذه العناوين،
أركان الدور تنبض بحياة،
والمؤسسات ليست كيانات تجارية، بل موانئ لأحلام المؤلفين، ومساجد لمن أراد أن يقرأ بخشوع.
كل كتاب هنا يبحث عن قارئه.. كما يبحث كل قلب عن حكاية تشبهه.
بعض الزائرين يدخلون بقوائم، بخطوات مسرعة،
بنية الشراء السريع.
لكنني أهمس لهم:
*تمهّلوا.. فربما الكتاب الذي ينتظركم، لا تعرفون اسمه بعد، لكنه يعرفكم جيدًا، وينتظركم على أحد الأرفف، يمدّ عينيه إليكم من عنوانه*
كم من كتابٍ هنا،
ظلّ حبيس الطباعة،
حتى حمله أحدهم إلى بيته، وفتحه بعد منتصف الليل، ثم بكى، أو كتب، أو تغيّر.
الكتب لا تُقرأ فقط.. بل تُعيد ترتيب الوجدان، تُزرع في البيوت، وتنمو مع الأطفال، وتُورّث كما تُورّث المكارم.
معرض مسقط الدولي للكتاب ليس معرضًا فقط..
إنه طقسٌ سنويٌّ للبعث،
تخرج فيه الكتب من سباتها، وتُبعث الأرواح من رماد التعب، ويتعرّف العمانيون والعالم على وجوهٍ تُشبههم في الحبر.



