بيت الزبير..نافذةٌ ثقافيةٌ تختزلُ عراقةَ الماضي وتحتضنُ أصحابَ المواهب
خليفة بن سليمان المياحي
لم يسبق لي أن زرتُ بيتَ الزبير في قلب العاصمة مسقط، حتى تلقيتُ دعوةً كريمةً لحضور فعاليةٍ نظمها الإخوة والأخوات من جمهورية اليمن الشقيقة بالتعاون مع إدارة مؤسسة بيت الزبير. كانت الفعالية بعنوان:
(يَمَن آرت – معرض الفنون اليمنية)، وأُقيمت في تمام الساعة السابعة من مساء يوم الاثنين الماضي، تحت رعاية صاحبة السمو السيدة حجيجة بنت جيفر آل سعيد، وبحضور معالي محمد بن الزبير، وعددٍ من المسؤولين في سلطنة عُمان والجمهورية اليمنية الشقيقة، وجمعٍ من المهتمين بالمجال الفني والأدبي والثقافي في البلدين.
تضمَّن البرنامج كلمةً لمؤسسة بيت الزبير التي تحتضن الحدث، كما ألقت الشاعرة الدكتورة غالية بنت عيسى الزبيدي عددًا من القصائد الشعرية إلى جانب تقديمها للحفل بصوتها الذي صدح في أركان المكان. ثم قُدِّمت فقراتٌ فنية، تلتها فقرةُ التكريم، حيث كرَّمت صاحبةُ السمو راعيةُ الحفل عددًا من الفنانين التشكيليين والمهتمين بالرسم والتصوير. بعدها تم افتتاحُ المعرض، وشاهد الحضورُ الأعمالَ الفنيةَ لعددٍ من المبدعين، حيث امتلأت القاعةُ المخصَّصةُ لعرض اللوحات بالصور والرسومات المعبرة التي لامست الواقع، وجسَّدت ما يختلج في وجدان الفنان من مشاعرَ وأحاسيسَ ترجمتها ريشته إلى لوحاتٍ نابضةٍ بالحياة.
ولأنها زيارتي الأولى إلى هذا المكان البهي، فقد استوقفتني مشاهدُ كثيرةٌ لا تُنسى؛ بدءًا من تصميم هذا البيت التاريخي التراثي الأصيل لعائلة الزبير، بمرافقه المتعددة من قاعاتٍ وصالات، وانتهاءً بما يحتضنه من إرثٍ حضاريٍّ وثقافيٍّ كبير. فما إن تدخل من بوابته الرئيسة، وهي رابضةٌ في قلب مسقط بين الأحياء السكنية، حتى تبهرك تلك المعروضات الفنية والصور الجميلة التي أبدعها فنانون رسموا بألوانهم ما تنطوي عليه أرواحهم من شغفٍ وإلهامٍ فنيٍّ راقٍ.
ويُلاحظ الزائر في أرجاء البيت أيضًا كنوزًا ثمينةً من تراث الآباء والأجداد، تحمل في طياتها عرقَ جبينهم وجهدَ سنينهم الطويلة، لتبقى رمزًا خالدًا تتوارثه الأجيال جيلاً بعد جيل. إن بيت الزبير ليس مجردَ معلمٍ معماريٍّ بديعٍ في تصميمه، بل هو كنزٌ ثمينٌ يحتضن بين جدرانه تراثَ عُمان ومجدَها العريق على مدى القرون.
ولا تقف رسالةُ بيت الزبير عند حدود الحفاظ على التراث، بل تمتد لتشمل دعمَ الفنون والآداب وتشجيعَ المواهب. فإدارة المؤسسة تبذل جهدًا متواصلًا في تخطيط وتنظيم الفعاليات الثقافية والفنية المتنوعة، وقد احتضن البيتُ العديدَ من المعارض، وبرز منه الكثيرُ من المبدعين الشباب، وتُوِّج فيه مجتهدون بتكريمٍ يليق بعطائهم.
إن بيت الزبير يسهمُ بدورٍ فاعلٍ في بث روح الثقافة العامة في وطننا الغالي سلطنة عُمان، ويُعدُّ من المؤسسات الرائدة التي تعمل بجدٍّ على إبراز مكنونات الوطن ونقلها إلى الأجيال الصاعدة، ليبقى التراث العُماني حاضرًا ومتجددًا في الذاكرة الوطنية. فالبيت نافذةٌ ثقافيةٌ وفنيةٌ يتطلّع من خلالها الزوّار إلى معرفة كنوز عُمان وما تختزنه من إرثٍ ضاربٍ بجذوره في أعماق التاريخ.
ولبيت الزبير – كما لمستُ بنفسي – بصماتٌ جليلةٌ وأعمالٌ خالدةٌ منذ تأسيسه وحتى اليوم، ولا يزال يفتح أبوابه أمام المجتهدين والمبدعين، داعمًا ومحتضنًا لكل موهبةٍ ناشئةٍ تطمح إلى التميّز والعطاء. فالمكانُ مُهَيَّأٌ من جميع النواحي، وتنبض أركانه بنماذجَ مشرقةٍ ممن أسهموا وقدّموا وأبدعوا.
وفي هذا المقام، لا بد من كلمةِ شكرٍ وعرفانٍ لمعالي محمد بن الزبير وأبنائه الكرام، الذين كان همُّهم الأسمى خدمةَ الوطن من خلال دعمهم السخي للثقافة والفنون، ومساهمتهم الفاعلة في إثراء المشهد الأدبي والفني في سلطنة عُمان. فجهودُهم المخلصة واحتضانُ مؤسستهم للمواهب الوطنية يعكسان حبَّهم الصادقَ لوطنهم الغالي وولاءَهم لقائد النهضة المتجددة، مولانا حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظَّم – حفظه الله ورعاه –.
فتحيةٌ من القلب إلى أسرة الزبير الكريمة، وعلى رأسهم معالي محمد بن الزبير، الرائدُ المُلهمُ في مجال التصوير في السلطنة منذ بواكير النهضة المباركة للسلطان الراحل قابوس بن سعيد – طيّب الله ثراه –، وإلى أبنائه الذين يواصلون مسيرةَ العطاء بروحٍ وطنيةٍ نبيلةٍ تستحقُّ التقدير.



