قصة قصيرة الجريمة (الجزء الأخير)
خلفان بن علي بن خميس الرواحي
خرج الملازم “قيس” من مكتب ضابط المركز بصورة مختلفة، فقد كان كلامه حاداً هذه المرة؛ وهذا جعله يفكر كثيرا في أهمية حل القضية في أسرع وقت، حتى لا تتزعزع ثقة الضابط به ويعطى القضية أحداً غيره، فقد قطع شوطاً كبيراً هو وفريقه واقتربوا من الوصول إلى حلها. في طريقه إلى مكتبه يقابل أحد أفراد فريق التحقيقات ويستوقفه ويسأله: عساكم بدأتم في عملية التحقيق مع الأشخاص؟
الشرطي: الحمد لله سيدي الأمور حسب ما تريد وأفضل، وأبشرك بأن الأخوة جلسوا معهم وأخذوا أقوالهم وسوف يطلعونك عليها قريبا. هز الملازم “قيس” رأسه مع ابتسامة، وقال له: الحمد لله سوف أكون في المكتب إذا دعت الحاجة لي.
الشرطي: طيب سيدي، وينصرف عنه، ويواصل الملازم “قيس” طريقه إلى المكتب.
يدخل الملازم “قيس” مكتبه ويبدأ في التفكير بصورة عميقة في القضية والأحداث التي رافقتها والنهاية التي سوف تكون عليها، هناك العديد من الخيوط التي تشابكت بها، بعضها كان له علاقة بالقضية وبعضها الآخر بعيداً كل البعد عنها، ولكن كان له أثر في سير أحداثها وظهور تفاصيلها. في ذلك الصمت الذي كان يحيط به في مكتبه يعقد يديه خلفه ويضعهما على الكرسي ويسند رأسه عليهما ويغمض عينيه ويجعل شريط الأحداث يلف بخياله لعله يجد نقطة ينطلق منها. فجأة تذكر ذلك الظرف الذي سلمته له المرأة ولم يفتحه ليعرف ما يضمه. أخذ سماعة الهاتف وتحدث إلى أحد أفراد التحقيقات الجنائية، وطلب منه إحضار ذلك الظرف.
الكثير من الناس يتسألون حول القضية وإلى ما وصلت إليه، ولكن لا جديد هناك، حتى “غسان” انقطع تواصله مع الملازم “قيس” وآثر عدم إدخال نفسه في أمر ليس له علاقة به. كما أنه كان كل وقته مع زوجته “عبير”، فقد ظهرت عليها بعض أعراض المرض، فكانا دائما في التردد على المستشفى، محاولاً التخفيف من معاناتها. مع كل ذلك كان أحيانا يسأل “أنور” عن الملازم “قيس” وكأنه يلمح له من بعيد رغبته في الاستفسار عن القضية، ولكن “أنور” بعد تسرباته السابقة لم يجرؤ على فعلها مرة أخرى.
دخل فريق التحقيقات الجنائية على الملازم “قيس” وتظهر على وجوههم مظاهر الفرح، أدخل ذلك السرور إلى نفس الملازم وطلب منهم الجلوس لمناقشة الموضوع الذي جاءوا من أجله. نظر إليهم، وقال: ملامح وجوهكم تحمل بشارة جميلة لنا. نهض أحد أفراد فريق التحقيقات وبدأ الحديث: من خلال التحقيقات التي قمنا بها وصلنا إلى الشخص المسؤول عن الجريمة، ثم وناوله اسمه في ورقة، ثم قال له: إن الشخص المفقود من المجموعة والذي ظهر أنه متوفى كذلك اسمه معك، ولم نصل إلى شيء عنه إلا وجود زوجته فقط. وفجأة يقف الملازم “قيس” ويقول لهم: قبل قليل طلبت ظرف كان موجود في ملف القضية. أحد أفراد التحقيقات يقوم بالبحث عنه ويسلمه للملازم “قيس”: تفضل سيدي هذا هو الظرف.
يفتح الملازم “قيس” الظرف ويجده رسالة موجهة له شخصياً بالاسم، لم يرفع رأسه وكأنه يقرأ رسالة حب وغرام، وكان يبتسم أحياناً وأخرى يقطب حاجبيه، ومن حوله ينظرون إليه في استغراب! ولكن لا يستطيعون قطع المتعة والانسجام مع تلك الورقة التي بين يديه. يضعها جانباً، وأخذ الورقتين اللتين أمامه وبهما اسمي المتهم والمتوفى، ثم يناول الرسالة إلى الوكيل “شهاب”، وأثناء ما كان الوكيل “شهاب” يقرأ الرسالة يقول الملازم لفريق التحقيقات: هذه الرسالة حلت كل القضية، بها اعتراف من “ضاحي” والتفاصيل كاملة كيف حدثت الحادثة والخلاف الذي دار بين “راشد” والضحية “هلال”، ولماذا ذلك الخلاف. ينهض الملازم “قيس” حتى يحمل خبر حل القضية لضابط وينتهي منها.
يدخل الملازم “قيس” دون أن يطرق الباب؛ فلقد كان في عجلة من أمره، ويضع الملف أمامه، وينظر إليه الضابط بعينين جاحظتين: ماذا هناك؟ لم أتعود منك هذا التصرف ملازم “قيس”، ماذا حدث لك؟ يقف الملازم “قيس” ويؤدي التحية العسكرية، ويقول للضابط: أعتذر سيدي؛ فالخبر الذي معي لا يحتمل التأخير. يشير إليه بالجلوس وأخذ أنفاسه، وبعدها يبدأ الحديث، سيدي قال الملازم “قيس”: لقد توصلنا إلى الجاني والحمد لله. نظر إليه الضابط: جميل، يمكنك توضيح حيثيات القضية وكيف توصلتم إلى الجاني.
الجثة التي وجدناها في السيارة كانت لشخص اسمه “هلال” له علاقة مع مجموعة من الأشخاص المشبوهين لهم سوابق وجنح نتيجة تناولهم المسكرات. رد الضابط: هذا الأمر لا يؤدي بهم إلى القتل. صحيح سيدي رد الملازم، ولكن هناك أمر كان يعرفه “هلال” عن أحد أفراد المجموعة وعادة ما يهدده به اسمه “راشد”، ثم يناوله صورة كانت موجودة في ملف القضية. الضابط: طيب كيف قتل “راشد” المجني عليه “هلال”. يقف الملازم “قيس”: الواقع أن “راشد” لم يقتل “هلال” عندما دب الخلاف بين “راشد” و “هلال” في أحد جلساتهم الليلة ووصل الأمر إلى العراك بالأيدي، ونتيجة شربهم فقد “هلال” وعيه وقام “راشد” ومن معه بوضعه في السيارة وربطه بالصورة التي وجدناه عليها، ثم صارت الأمطار وجرفت الأودية السيارة فكان الغرق هو السبب الرئيسي للوفاة.
يأخذ الضابط الملف ويقول للملازم “قيس”: وهل هناك ما يؤكد هذه الكلام؟ يقترب منه الملازم “قيس”: طبعا كل التحقيقات موجودة بالإضافة إلى رسالة وصلت إلينا من زوجة أحد رفقائهم اسمه “ضاحي”، فيها شرح كامل عن أحداث تلك الليلة وكيف وصلت إلى النهاية المأساوية بوفاة “هلال”؛ وبهذا نكون وصلنا إلى الجاني ونحول الملف إلى الادعاء العام وبدوره يحولها إلى المحكمة.
طيب؛ كان رد الضابط، ولكن ألم تصلوا إلى السر الذي كان يحتفظ به “هلال” عن “راشد”؟
ابتسم الملازم “قيس” وقال: نعم سيدي، ولقد قلت لك سابقاً أن حل هذه القضية سوف يؤدي لحل قضية أخرى. الضابط: أي قضية تعني؟ سيدي السر الذي كان يحتفظ به “هلال” ولم يستطع البوح به لأحد غير لصاحبه “ضاحي” خوفا من “راشد” هو حادثة الدهس التي راحت ضحيتها الفتاة “جنان” وقيدت ضد مجهول. الضابط: سبحان الله، مهما طال الوقت فإن الله سوف يأخذ حق المظلوم وتظهر حقيقة الظالم. بارك الله فيك النقيب “قيس” واستعد لتعليق الرتبة قريبا. شكرا سيدي قالها “قيس” واستأذن في الخروج.
في مكتبه تناول الملازم “قيس” سماعة الهاتف وضغط على الأرقام ليطلب شخصاً ما، السلام عليكم ورحمة الله، قالها في السماعة وينصت إلى الرد، ثم يواصل الحديث: معك الملازم “قيس” من مركز الشرطة. بعدها يقول لمن خلف السماعة: نحتاج لحضورك معنا غداً لأمر هام يتعلق بقضية السيارة. وهو يستمع يحرك رأسها يميناً ويسارا ويرد مرة أخرى: نعم، لتكن معك، عندما تحضرا إلينا وسوف تعرفا السبب، موعدنا غدا. يضع سماعة الهاتف مكانها ويتناول ملف آخر أمامه ويقلب فيه، أخيراً سوف ننتهي منك أيضا، ونتفرغ لقضية أخرى مبتسماً، وأنا النقيب “قيس”.
في اليوم التالي تم تحويل المتهمين إلى الادعاء العام لاستكمال إجراءات القضية وتحويلها إلى القضاء بعد ذلك. كان الملازم “قيس” قد أعطى تعليماته بذلك وطلب من قسم التحقيقات الجنائية غلق ملف القضيتين وتسليم الملفات إلى قسم الوثائق والمحفوظات بالمركز. وهو في مكتبه طرقات على الباب من الداخل: تفضل. يفتح الباب ويدخل رجل وزوجته خلفه، وينهض الملازم “قيس” من مكتبه ويتقدم للسلام عليهما ويطلب منهما الجلوس، ويجلس هو بالقرب منهما. الرجل والمرأة في حيرة من أمرهما لا يعرفان سبب وجودهما هنا، نظرات متبادلة بين الثلاثة، يتحرك الملازم “قيس” قليلاً، ويقترب من الرجل ويمسك يده وعينه على المرأة. “غسان” والأخت “عبير” لدي خبر لكما أرجو أن يدخل إليكما السعادة والفرح. ينظر “غسان” إلى زوجته ويخاطب الملازم: عسى أن يكون الأمر كما تقول، تفضل، ويواصل الملازم “قيس”، نحن الحقيقة من أمس في وضع لا يعلمه إلا الله وضعنا احتمالات كثيرة لحضورنا هنا، ولكن لم نتفق على أحدها. يقف الملازم “قيس” ويقول لهما: الحمد لله وبفضل جهود رجال التحريات والتحقيقات معنا وصلنا إلى الشخص الذي دهس ابنتكما “جنان” وأدى ذلك لوفاتها. غسان: من هول المفاجأة، ما شاء الله، بعد هذه المدة، الحمد لله رب العالمين، من عساه يكون؟ الملازم: هو نفس الشخص الذي تسبب في موت الرجل بالسيارة في القرية. غسان: سبحان الله، أرسل لي ذلك الشخص حتى أخرجه من السيارة وتفتح قضيته هو، لكي نصل إلى قاتل ابنتي، هي الأقدار تسوقنا، ينظر لزوجته: أسمعتي؟ لقد قلت لك أنه في يوم سوف يظهر من دهس ابنتنا وينال عقابه. تهز “عبير” رأسها دون أن تقول كلمة. وينظر لهما الملازم “قيس” الآن يمكنكما الذهاب وسوف يتواصل معكم الأخوة بعد ذلك لحضور المحاكمة. ينهض كل من “غسان” وعبير” ويشكران الملازم “قيس” على جهوده.
بعد أن خرجا من الباب وهما يمشيان في الممر وضعت “عبير” يدها بيد زوجها وسارا معاً والفرحة مرتسمة على وجهيهما، وفي السيارة نظرت إليه بنظرة حب وتعلق وأخرجت أوراق من حقيبة يدها، وقالت له: حبيبي “غسان” هناك أمر أريد أخبارك به. أوقف “غسان” السيارة، وقال لها: أنت تعلمين كم أحبك، ولن يتغير حبي لك مهما صار. تمسك يده وتقول له: مبارك، أنا حامل. لم يتمالك “غسان” نفسه من الفرحة واقترب منها وأطبق قبلة على وجنتيها ودموع الفرح تنزل من عينيه، وقال لها: الحمد لله الذي عوض صبرنا خيرا. يعيد تشغيل السيارة وينطلق بها. سألته: إلى أين الآن؟ فقال لها: إلى حياة جديدة، ستكون جميلة بالمولود القادم بإذن الله، ثم نظر إليها، وقال: أحبك. ابتسمت وردت عليه: ليس أكثر مني، وواصلا طريقهما لغد أجمل.
النهاية


