قصتي مع : “خذ الكتاب بقوة” بداية الطريق

سليمان بن حمد العامري
كل بداية صادقة لا تولد من العقل، بل تنبع من أعماق الروح، هناك لحظات تمر علينا في الحياة لا تلمع في ظاهرها، لكنها تترك أثرًا لا يُمحى في القلب، تعيد تشكيلنا بهدوء، دون ضجيج، وتفتح فينا نوافذ نحو النور.
كان الليل ساكنًا، والعالم يغط في سباته، أما أنا فكنت في يقظة من نوع آخر، لا أنتظر شيئًا محددًا، لكنني كنت أشعر أن شيئًا ما يقترب، شيئًا يوقظ المعنى، يزيل الغشاوة، ويهمس لي بأن الطريق قد آن أوانه.
كنت في بدايات التزامي، أفتش عن النور في داخلي، أبحث بين السطور عن ذاتي، لا أجيد شيئًا كما أجيد حب القراءة والكتابة، لكن الرؤية لم تكن واضحة، والطريق كان لا يزال غائمًا.
وفي ليلة من تلك الليالي التي لا تُنسى، رأيت حلمًا لم أر فيه شيئًا، بل سمعته فقط. جاءني صوت لا يشبه صوت البشر، عذبًا واضحًا، كأنه من عالم علوي لا أدركه،قال لي: خذ الكتاب بقوة. ترددت العبارة في أذني كأنها توقظ شيئًا نائمًا في أعماقي، كأنها توقيع إلهي على عهد لم أطلبه، لكنه اختارني.
استيقظت وأنا أشعر أن شيئًا في داخلي قد تغيّر، كأن نورًا هادئًا استقر في قلبي، وعزيمة لم أعهدها أمسكت بيدي. شعرت أنني مسؤول، أنني على عتبة طريق فتحه الله لي، وأن عليّ أن أمضي فيه بقوة، دون تردد.
ومنذ تلك الليلة، أمسكت بالقلم. لم تعد الكتابة بعد ذلك هواية، بل أمانة، صارت الحروف سلاحًا، والفكرة رسالة، والورقة ميدانًا، وكلما كتبت بصدق، فتح الله لي أبوابًا ما كنت لأصل إليها وحدي، وكلما شعرت بالضعف، سمعت الصوت يعود، يقول لي من جديد: خذ الكتاب بقوة.
ما زلت أكتب، وما زالت تلك الآية ترافقني. لا كذكرى حلم، بل كوصية لا تزول. صارت الكتابة عندي عبادة، والكلمات سبيلاً للحق، وطريقًا للنور. وكلما تعثرت، سمعت الصوت يعود، لا من الخارج هذه المرة، بل من داخلي، يقول لي بهدوء ويقين: خذ الكتاب بقوة.
لكن لا أعلم إلى ماذا كان يشير هذا الحلم تحديدًا، لا أستطيع تفسيره تمامًا، لكنني أعرف أنني بعده لم أعد كما كنت، وأنه قد فتح لي بابًا جديدًا في حياتي، باب الكتابة، الذي أصبح فيما بُعد عبادة وهواية ورسالة.
وكأن الحلم لم يكن إلا بداية، وكأن البداية ما زالت تمتد كلما صدقت في الطريق.



