اغتنم اللحظة الراهنة .. فلسفة الآن

خلف بن خميس المعولي
منذ أن اكتشف الإنسان مفهوم الزمن وبدأ في البحث عن ماهيته، ووضع التقاويم التاريخية، تبددت طاقته في التفكير بالتنقل بين الماضي والمستقبل، مما أفقده شعوره باللحظة الآنية والتناغم مع الوجود، ونتيجة لذلك، تزعزع السلام الداخلي في نفسه، وعانى من تشتت الانتباه، فخطفه القلق من فرصة اغتنام اللحظة، فالقلق شعور ينشأ عندما يبتعد تركيز الإنسان عن اللحظة الراهنة، وعلاج ذلك التماهي مع حاضرك بكل تفاصيله، بغض النظر عما يبدو عليه، فكل ما تملكه الآن هو اللحظة الراهنة. أما المستقبل والماضي فلا وجود لهما سوى في عقلك. فإن أردت أن تصلح حياتك، ضع تركيزك كله في لحظة الآن؛ لأنك لا يمكنك أن تعيد إصلاح ماضيك، ولا يمكنك تقدير ما سيحدث في مستقبلك، لكنك تملك القدرة على أن تتعامل مع حاضرك بأفضل طريقة ممكنة.
بُرمجت عقولنا على العيش تحت ضغط التفكير في المستقبل، بهدف تحقيق أحلامنا وطموحاتنا، مما جعلنا نغفل عن اللحظة الراهنة، التي هي أغلى ما نملك، لكن العيش في هذا الضغط المستمر من أجل انتظار مستقبل مشرق لا يسهم في النجاح بقدر ما يعيقه، ويبعدنا عن تحقيق أهدافنا. الحل الأمثل للتعامل مع ضغوط المستقبل يكمن في تركيزنا على اللحظة الحالية، والعمل على الجزيئات الصغيرة التي تقودنا نحو مستقبل أفضل.
قوة الآن ..
ركز المتحدث الروحي المعاصر إيكهارت تول على أهمية مفهوم ‘الآن’، مشيرًا إلى أن العيش في اللحظة الحالية هو السبيل للتحرر من الأفكار السلبية والمشاعر المؤلمة، واعتبر أن هذه اللحظة هي القوة الحقيقية التي تمنحنا السلام الداخلي. كما دعت الفلسفة الرواقية إلى التحكم في الحاضر، مع التأكيد على أن الماضي والمستقبل ليسا في متناول أيدينا. ومن قبل، كان الفكر الشرقي يعزز اليقظة الذهنية، التي تركز على التأمل الكامل في الحاضر وصرف الانتباه عن الماضي والمستقبل.
فبغض النظر عن وضعك الحالي، يجب أن تسعى جاهدًا للاستفادة من كل لحظة تمر في حياتك، لأنك لا تملك سوى السيطرة على حاضرك الآن. لذا، وجه كل طاقتك إلى هذه اللحظة، فمستقبلك مرهون بكيفية استثمارك لهذا الوقت بكل تفاصيله، وليس بالانشغال بالتفكير في المستقبل. فالتفاصيل الصغيرة التي قد تبدو غير مهمة هي التي تصنع الفرق في المستقبل، كما أن بناء الجدران يتطلب وضع الطوب قطعة قطعة، ومثلما يُقال: ‘بداية الغيث قطرة’. ومن المبادئ الأساسية في الماركسية أن التغيير الكمي يؤدي إلى التغيير النوعي، أي أن تراكم التغيرات الصغيرة يؤدي إلى تحول نوعي. هذا المبدأ يمكن تطبيقه على حياتنا، حيث يتطلب التغيير الفعلي اتخاذ خطوات صغيرة وثابتة، تؤدي إلى رؤية جديدة للواقع.



