السبت: 07 مارس 2026م - العدد رقم 2847
مقالات صحفية

من وجوه الماضي

     ماجد بن محمد بن ناصر الوهيبي

تعاقب الليل والنهار، والصيف والشتاء، والليالي والأيام، والشهور والأعوام، غيب فيها عنا القدر وجوهًا إثر الوجوه وأنا أذكرهم في كل وقت وحين، لا سيما كلما هجرني النوم ولازمني السهر..!!

لم تكن وجوههم البهية فقط معنا كطيف عبر وذكرى عطرة كنسيم السحر، وإنما أرواحهم وألسنتهم التي تلهج بالذكر وبالدعاء لنا كلما الكرب اعتكر.

وكلما ضاق بنا الفضاء وأطبق علينا الظلام وهرول المنافق يكذبُ على الناس بكل ما نشر وبنفسه يصدق الخبر ويبثه لكل أحمق انطلى عليه زيف الخبر ولم يتقين من الحق ولم يلتزم بالحذر ولا بالتأني ساعة الخوض في أعراض البشر.

فهذا من الفسوق الذي ذكره الله في القرآن وفي شأن المنافق، قال رسولنا الكريم ﷺ: آية المنافق ثلاث: (إذا حدث كذب، وإذا عاهد أخلف، وإذا خاصم فجر ) صدق رسول الله ﷺ- أخرجه البخاري.

وصدق المواساة بطيب المعاملة وطلاقة الوجه، في ابتسامة صادقة تنبع من قلب مخلص يراعي أحوال البشر، ويقول لهم حُسنًا لا كمن يهمز ويلمز وهمه التطاول على من وهب وقته لأهله وناسه في وقت النوازل وفي ساعات الخطر.

هذه الوجوه التي غابت عنا لا تزال هناك نماذجًا منها تعيش بيننا اليوم؛ ولكنهم شحوا وأصبحوا قلة، فعسى الله أن يكثر من أمثالهم وييسر الخير على يديهم، فوجودهم نور ووصلهم بر، والسير على نهجهم فلاح يعقبه حُسن الختام وطيب الأثر، وكأُمٍ رؤوم وأبٌ حانٍ وشيخٍ فقيهٍ ومعلمٍ حاذقٍ فارقونا إلى الله ولا اعتراض على القدر، وكصاحبٍ كان يمر علينا كل صباح وكأن النهار يضيء بوجههِ كلما اشتاق أو برر لطول الغياب أو اعتذر توفاه الله وغاب عن الوجود؛ ولكن ترك في القلوب له أثر.

وآخر على قيد الحياة أطال الله في عمره، كان يمر في وقت العصر، لا سيما في شهر رمضان المبارك؛ فكان لا يكفيه اللقاء المدرسي، وإنما يعود في المساء؛ فتحلو به الأوقات ويطيب بلقياه السمر.

وأنا أتلذذ بذكر هؤلاء وأجل فضلهم، وأستلهم من نصائحهم

الدروس والعبر ومن فيض الحِكمِ؛ استحضر الكنوز والدرر، وكم من كريمٍ صاحبته في الحل والترحال وبحسنِ صحبته؛،سعد الفؤاد، وكان كالغيث الذي يسعد

الأوطان والبشر.

 فالرحمة من الله لمن مات منهم، ولنا في فراقهم شوقٌ يخالطه فيض من الدعاء وحُسن الصبر، وأما من بقي فلا تزال الروح تسعد باللقاء وتقر العين برؤيته كلما غاب أو حضر، وسماء الوطن العريق تضمنا،

وهذه الأرض الطاهرة التي تنضح بالجمال وبالثمر، وزرقة أمواج البحر التي تروي لنا قصص الجهاد التي تفوح بدم الشهداء؛ فعُمان هي مهدُ البطولات ورمز الحضارات، تعود بالتراث إلى ما غبر؛ فتاريخها موغلٌ في القدم عريق الأصالة، ونحن بها نفتخر.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights