مواطن شريف يعني أمة شريفة
سالمة بنت هلال الراسبية
أكدت رئيسة منظمة الشفافية الدولية ، (ديليا فيريرا روبيو،2022)”أن الفساد جعل عالمنا مكاناً أكثر خطورة ، نظراً لأن الحكومات فشلت بشكل جماعي في إحراز تقدم ضده” وترى أن السبيل الوحيد للخروج هو قيام الدول بالعمل الجاد، واستئصال الفساد على جميع المستويات لضمان عمل الحكومات لجميع الناس، وليس فقط النخبة القليلة .
يحاول الفاسدون بشتى الطرق التحايل على القوانين ووضع العراقيل في وجه الاستثمار للاستئثار بمجالاته وللحصول على مكاسب غير مشروعة، مما يرفع تكاليف الاستثمار ويخفض مستوياته ويشوه تركيبته. ويتسبب الفساد أيضاً في قصور تغطية الخدمات الحكومية والخاصة وتردي البنية الأساسية ونوعيتها مؤدياً إلى خفض معدلات النمو الاقتصادي. تراجع معدلات نمو التوظيف وازدياد معدلات البطالة ، وينتج عن فساد التوظيف تراجع مستويات المواءمة بين المهارات والوظائف مما يخفض من الإنتاجية ويقلل من معدلات نمو الناتج المحلي.
وحول الإطار القانوني لحماية المبلغين أعتبرت منظمة الشفافية الدولية 2022 إن فضح الفساد ومحاسبة الفاسدين لا يمكن أن يحدث إلا إذا فهمنا الطريقة التي يعمل بها الفساد والأنظمة التي تمكنه .
رفعت سنغافورة شعار ” مواطن شريف يعني أمة شريفة” ليعبر عن رسالتها الصادقة لمكافحة الفساد وحماية المبلغين وهو ما أوصل البلاد الى مستوى ريادي عالميا لمكافحة الفساد ، حيث يبلغ عدد سكانها 6 ملايين يمثل 80% منهم من أصول صينية و8% هنود وتتنوع الديانات في سنغافورة لكن النسبة الأعلى هي من المسلمين وقد أتبعت 5 خطوات : إنشاء مكتب مستقل لمكافحة الفساد كجهة رئيسية لمكافحة الفساد وسن قوانين صارمة ذا صلاحيات واسعة للتحقق في الرشوة ومحاسبة مرتكبيها ، وتوفير رواتب تنافسية للوزراء وكبار الموظفين المدنيين لكف يديهم عن الوصول للمال العام كما قامت برفع رواتب عامة الشعب ليتناسب مع مستوى المعيشة ، وتوعية الجمهور وتطبيق القانون بحزم على جميع مرتكبي جرائم الفساد، بغض النظر عن مناصبهم أو انتماءاتهم او شخصياتهم الاعتبارية..
وصلت تجربة دولة سنغافورة في القضاء على ظاهرة الفقر لمستوى متقدم من التنمية الاجتماعية و الاقتصادية أهلتها لأن تكون نموذجا للرقي و الازدهار، و مضربا للمثل بين دول العالم ،و هذا بفضل لجوء دولة سنغافورة في بداية تأسيسها إلى الكوادر من ذوي الكفاءات و جعلهم على رأس المؤسسات، و بإصلاح النظام التعليمي و جعله يتواءم مع سوق العمل ،إضافة لسياسة الإنفتاح و تحرير الأسواق التجارية مع واقعية الصرامة في التعامل، فكل هذه العوامل كان لها الأثر الإيجابي الفعال في رسم خريطة التحول و الانتقال من دولة فقيرة متخلفة تعيش على هامش التاريخ لتتحول إلى عملاق اقتصادي يحظى بالاحترام الكبير على المستوى الدول.
وفي اطار مساعي الدول لمكافحة الفساد ، اشار تقرير منظمة الشفافية الدولة- التي تتخذ من برلين مقرًا لها- حول الفساد في العالم لسنة 2022، حيث أورد أسماء عدد من الدول التي تراجعت في محاربة الفساد من بينها السلطنة، حيث حصلت على 44 درجة في التقرير، واحتلت مرتبة الـ69 على القائمة من بين 180 دولة ، ولكن في عام 2025، أحتلت المرتبة 50 عالميًا في مؤشر مدركات الفساد، وفقًا لنتائج مؤشر مدركات الفساد لعام 2024 ، كما تحتل المرتبة الرابعة عربيًا.
وفي الآونة الأخيرة بدأ جهاز الرقابة المالية والإدارية في نشر التقرير السنوي له على مستوى جميع وسائل الإعلام مع ذكر المؤسسات التى أهدرت الأموال العامة.
وحسب تقرير الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة في دورة الاستعراض 2010-2015 فإنه يشير الى ان سلطنة عمان انها لا تضع الشخصيات الاعتبارية ضمن اطار المحاسبون ، و لم تتخذ تدابير لتوفير حماية فعالة للشهود والخبراء الذين يدلون بشهادة تتعلق بأفعال محرمة وفقاً للاتفاقية ، ولكنها تسمح بالإدلاء بالشهادة باستخدام تكنولوجيا الاتصالات من باب حمايتهم ..
وأتخذت بعض التدابير التي تتناول أفعال الفساد خلال مرحلة ترسية المناقصات حيث نصت المادة (٤١) من قانون المناقصات على استبعاد العطاء إذا انطوى على مخالفة لأحكام المرسوم السلطاني رقم ۲۰۱۱/۱۱۲ المتعلق بحماية المال العام وتجنب تضارب المصالح.
كما وأشار التقرير الأممي ان ليس هناك من أحكام تتناول عواقب الفساد خارج مرحلة الترسية كما لا ينص التشريع العماني على امكانية اعتبار الفساد عاملاً لإلغاء أو فسخ عقد أو سحب امتياز أو غير ذلك من الصكوك المماثلة أو اتخاذ أي إجراء انتصافي آخر .وهذا امر في غاية الخطورة نظرا لما يترتب عليه من ثغرات تسهم في تسلل الفساد وتعطل التنمية وتأخر التنفيذ.
وعلى ضوء ما سبق يتجلى لنا اهمية جعل النزاهة والشفافية والتبليغ عن الفاسدين مرتكزات أساسية في هذه المرحلة من النهضة المباركة والمتجددة في ظل القيادة الحكيمة لمولانا السلطان هيثم بن طارق حفظه الله ورعاه.
ومنها منح مكافات مالية لمن يقوم بالتبليغ و إحالة كل من ثبت تورطه في الفساد الى المحاكمة بغض النظر عن مناصبهم أو انتماءاتهم او شخصياتهم الاعتبارية.
والإعلان عن أسماء المتورطين في وسائل الإعلام المختلفة ورفع أسماء المؤسسات التي تقوم بممارسة أي عنف او تعسف في القررات على المبلغ منها وضع لائحة واضحة بأنواع وأصناف الانتقام المحتمل الذي قد يتعرض له المبلغ والتي قد تشمل (الاجراءات القسرية ،أو التخويف، المضايقة أو التمييز أو الحرمان أو المعاملة غير العادلة أو النقل او الحرمان من الترقية أو المكافات ). ورفع رواتب الموظفين ليتناسب مع مستوى المعيشة أسوة بمنح المكافات للمسؤولين والموظفي العمومين وتسريع وتيرة التوظيف للباحثين عن عمل وحظر تسريح العاملين من خلال الاحلال المباشر.
وختاما ، إنّ على كل مواطن مخلص أن يكون عين أخرى لهذا الوطن الغالي على قلوبنا جميعا ونحمي ترابه وسماءه وبحره بأرواحنا ودمائنا.



