الثلاثاء: 10 مارس 2026م - العدد رقم 2850
مقالات صحفية

نقطة أول السطر .. النَفَس الطويل: حين يُكتب الثمين على نورٍ ورفقٍ وتأمّل

    عادل بن حميد الجامعي

ليست الكتابةُ ـ كما قد يظنُّ بعضهم ـ حالةً من فراغٍ مفاجئ يُملأ، أو انفعالٍ لحظيّ يُسكبُ على الورق كيفما اتفق، بل هي رفقةُ دربٍ طويلة، لا تُقاس بالأيام ولا بالأسابيع، بل بما يتولّد في النفس من ارتجافٍ عند كل فكرة، وما يُبذل من عُمرٍ بين جملةٍ وأخرى، وما يُسكب من الروح مع كل نقطة تُختتم بها فقرة. الكتابة، ببساطة، ليست صنعةً نمارسها في فراغ، بل تجربة نضوج، ورحلة انكشاف، وصناعة حياة.

ولذلك، حين قال لي أحدهم يومًا، بعد أن علم أن بعض كتبي يستغرق سنتين أو أكثر بين الفكرة والانتهاء الكامل، بل إنني أمنح بعض المقدمين عامين كاملين لكتابة تقديم واحد واعد لكل كتاب، قالها وهو يبتسم: “ما شاء الله! عندك نفس طويل!”. لم أُجبْهُ دفاعًا، ولا اعتراضًا، بل قلتها كما أُؤمن بها: “من أراد الثمين والنفيس يُعدّ على نورٍ وتؤدة”. نَفَسُ الكاتب ليس رفاهيةً في زمن السرعة، بل هو قراره العميق بأن لا يُهدي القارئ نسخة مستعجلة من فكرٍ لم ينضج، ولا يرضى أن تكون الكلمة التي ستُقرأ بعد عشر سنوات قد كُتبت على عجلٍ في عشر دقائق. لهذا، فإن الكاتب الذي يحبُّ قارئه لا يكتب سريعًا. وإنني، في كل ما أؤلف، أضع هذه القاعدة: لا يُغادر كتابي إلى النشر، حتى يُمتحن كما يُمتحن الذهب بالنار. فكرة، تتلوها فكرة، تعاد صياغتها مرةً واثنتين وعشرًا. أراجعها في ليلي، وأعرضها على عقلي في صلاتي، وأسأل نفسي بصراحةٍ مؤلمة: هل أستحقُّ أن تُقتنى هذه الفكرة؟ هل تنفع؟ هل تُضيف؟ هل تصمد أمام النقد؟ ثم تأتي مرحلة الشراكة الجميلة في الكتاب: “التقديم التشريفي”.

التقديم، في منهجي، ليس مديحًا للمؤلف، بل مفتاحُ رؤيةٍ للكتاب من زاوية أخرى، من عقلِ قارئٍ مرّ على التجربة ففككها، ثم أعاد تقديمها بروحه ومنهجه وفكره. لذلك، لا أطلب من أي أحد أن يقدّم لي كتابًا، بل أبحث عن من يشبه روح الكتاب، ويُضيف إليه. ولذلك، أمهلهم عامًا أو عامين، ولا أُلزمهم بمساحة محددة، ولا بنغمة محددة، ولا حتى برأي محدد. بل إني أُصِرُّ أن يُقال ما يرونه، ولو خالفني، ولو جرحني، لأن الكتاب ليس لي بعد نشره، بل للناس. في بعض كتبي، كتب المقدم ما لا أجرؤ أنا على قوله. وفي أخرى، خالفني المقدم في بعض الطرح، وقلت له: اكتبها كما ترى، ولا تُغيّر لأجلي. إنني أؤمن أن التقديم ليس صكّ غفران للكاتب، بل زاوية رؤية أخرى، أحيانًا تكشف ما لم يكشفه الكتاب، وأحيانًا تُضيء فجواته. وهنا يأتي الجمال: أن يرى القارئ وجهين للعمل، ثم يحكم .

ولأنني أؤمن بالقارئ، وأقدّره، فإنني أحرص أن أُقدّم له كتابًا كأنني أقدّم له وجبة من سبعة أطباق: تقديم شهيّ يفتح الشهية، وكتاب متماسك في بنائه، وصادق في لغته، ومراجعات لغوية وفكرية دقيقة، وهوامش محكمة، وفهرس يليق بذاكرة الباحثين، وغلاف يحمل روح العمل.

كل هذا، لا يُكتب في ثلاثة أسابيع!!

إن علاقتي بالكتابة لا تشبه السباق، بل تشبه البذرة.. أضع الفكرة، ثم أرويها بالصبر، وأُعرّضها لشمس النقد، وأحميها من عواصف الانفعال، وأنتظر أن تُزهر، لا حين أريد، بل حين تنضج.

ومن يقرأ كتبي، -بفضل العليم الحكيم- سيلاحظ أن فيها شيئًا من بطء المتأمل، وعمق المُنقّب، وصدق من يكتب وهو يخاطب نفسه أولًا. ولا أدّعي أنني الأصدق، ولا الأعمق، ولكنني على الأقل لا أُخادع قلمي، ولا أُجامل فكرتي، ولا أُسرّع ولادة شيء لم يكتمل. ولأن الكتابة مسؤولية، فإنني لا أضع اسمي على غلافٍ قبل أن أسأل الله أن يُعينني على حمل ما في الكتاب من فكر، وما قد يُقرأ فيه من أثر.

وإنني لأشعر أحيانًا، أنني إنما أكتب كي أتطهّر، وكي أعرف نفسي، وكي أستدر رحمة الله بكلمةٍ قد يكتب لها القبول. أما عن القلم، فهو رفيقي الذي لا يُجاملني. يعرفني في صمتي، ويشهد على دمعي حين أحذف جملةً أحببتها لأنها لا تليق. هو ميزاني حين أختل، ومِدادُ قلبي حين يجفُّ الكلام من حولي.

كم مرةٍ جلست لأكتب خمس دقائق، ثم التفتُّ لأجدني في اليوم التالي ما زلت أكتب في ذات الفكرة! إنه العشق، عشق الحرف، وليس هناك ما يُقنع الآخرين بعشقك، لكنك تراه، وتعيش فيه، ولا تُفارقه. ولذلك، لا ألوم من يستعجل الطبع والنشر، فلكلٍّ طريقه، لكنني أرجو أن لا يُلام من آثر التأني، ومن كتب بيدٍ وقلب، ومن آمن أن الكلمة ميثاق، وأن القارئ يستحق الأفضل.

إن الذي يكتب ليعيش من كتبه فقط، يختلف عن الذي يكتب لأنه لا يقدر أن لا يكتب. الأول يراها صنعة، والثاني يراها حياة. وشتان بين من يصنع كتابًا ليُباع، ومن يصنع كتابًا ليُضيء. والقلم.. هذا العكاز الذي أستند عليه، حين لا أجد كتفًا أفصح له همي، وحين لا تكفيني اللغة المنطوقة، وحين تضيق بي الدنيا. القلم ليس أداتي، بل كياني. هو أنا حين أكون صادقًا، وهو أنا حين أرجو أن أكون أفضل. ولذا، فإن كل كتاب أؤلفه، هو قطعة من عمري. ليس لأنني سهرت لأجله، ولا لأنني أنفقت عليه وقتًا، بل لأنني حين أنشره، أكون قد كتبت روحي فيه. ولا أثق بمن يكتب كثيرًا ولا يراجع، ولا بمن يطبع كثيرًا ولا يتأمل. إننا نحتاج إلى كتب تُربّى كما يُربى الولد، لا تُصنّع كما تُصنّع الحلوى. ولعلّها دعوة، لكل كاتب، ولكل قارئ، أن يمنحوا للكلمة وقتها، وللفكرة مداها، وللمعنى عمقه.

نعم، نعيش في زمن السرعة، ولكننا نحتاج أن نبطئ حين نكتب. لأن الكتابة، حين تُكتب على مهل، تُقرأ بعُمق. ولأن النَفَس الطويل، ليس تأخيرًا، بل احترامًا. ولأن الكلمة التي نُخرجها من داخلنا، هي في النهاية: ميثاقٌ نُحاسَب عليه. فهل نكتبه على عجل؟ أم ننتظر أن يُضاء، فنكتب على نور؟ عندها فقط، ستكون كتبنا صالحة لأن تُقرأ، لا مرة، بل مرارًا. وعندها فقط، سنقول بكل صدق: هذا كتابٌ يستحقُّ أن يُهدى.. لأنه كُتب بتُؤَدة.. على تافية من نور.”

 

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights