الثلاثاء: 10 مارس 2026م - العدد رقم 2850
مقالات صحفية

حين تتكلم الجدران من حنايا البيت الكبير

ثريا الربيعية

ملامحُ ذاك الطريق لم تتغير؛ فلم يكن كأي طريق عابر، بل كان يومًا ما أحبّ الطرق إلى قلبي. على جانبيه تصطفّ البيوت القديمة، جدرانها المتشققة يعلوها الغبار، لكن أرواح ساكنيها ما زالت تنبض في أرجائها، ورائحة الماضي ما زالت تنساب من نوافذها. بيوت تجاورت كقلوب متقاربة حين كان الدفء يُستمدّ من القرب وحسن الجوار.

في وسط الطريق مررت ببستان جارنا الطيب – رحمه الله – ما زال خضرًا بأشجار النخيل كما كان، تتدلى على سوره شجرة المانجو المعهودة بطيب ثمارها. ولطالما كنا نتسابق إليها لواذًا وكأنها شاهدة على شغب طفولتنا. وفي ظلالها تمتد سكة الحارة، ضيقة ببساطتها، واسعة بذكراها، كشريان ممتد كان يعجّ بالحياة. هناك كنا نتسكع بلا همّ، نركض خلف أحلامنا الصغيرة، ونضحك بلا تردّد. حيثما أبصرتُ وجدت ركنًا يحمل سرًّا، ومع كل عتبة باب أثر يذكرني بأهل المعروف وخيرة الجيران.

غير أن شعورًا مختلفًا يخالج نفسي كلما تقدمت خطوة؛ فكلما اقتربت أكثر تثاقلت قدماي. وقبل نهاية الطريق وصلت إلى مقصدي: ذاك البيت المنزوي وحيدًا. فما إن وقع بصري عليه حتى عاد بي إلى الذكرى الغافية بين جدرانه، التي لا تزال حيّة.

من الصعب أن يعود المرء إلى بيت طفولته بعد غياب طويل. وقفت لبرهة أتأمله من بعيد؛ بقي صامدًا أمام قسوة الأيام، لكن صورته بدت باهتة، ألوانه خفتت، وملامحه ذبلت. ومع ذلك، سرعان ما مرَّ أمام عيني شريط من الذكريات، ممزوجًا بالأنس، فارتسمت على وجهي ابتسامة لا شعوريًا. فالذكريات لا تختزل في الجدران ولا الأبواب، بل في أهلها الذين غمروا المكان بالحب. بلا شك، البيوت تبقى حيّة في القلب؛ مهما غابت معالمها تبقى حكايات لا تنتهي وصفحات لا تُنسى.

ذاك البيت لم يكن واسع المساحة فحسب، بل كان واسع الصدر يحتضن الجميع. كل حجرة فيه – رغم بساطة أثاثها – كانت قصرًا صغيرًا يحتضن أحلامنا. كل زاوية تحكي قصة: رائحة خبز أمي وأكواب الشاي الذهبي، أصوات الأقدام الصغيرة في الممرات، دعاء جدتي الذي يملأ البيت بركة وسكينة، وصوت المذياع في الصباح يتلو القرآن الكريم. تلك التفاصيل لم تكن جمال صباحاتنا فحسب، بل كانت دقات قلب نابض لا يهدأ.

وكانت الضحكة ضيفًا دائمًا: ضجيج جلسات العائلة، مواقفها الطريفة، رائحة القهوة مع التمر، وصباحات الجمعة المميزة حيث البساطة واللمة تمنح معنى أعمق للسعادة. بسمة أبي العائد من عمله كانت تختصر الدنيا كلها؛ لم تكن مجرد ضحكة بل مسحة أمان. وحكايا جدتي كل مساء كانت تسرد فصول الأجداد ونضالهم، نستمع بشغف حتى يغلبنا النوم على حجرها.

ومع مرور الأيام مات الأحبة وتغيّرت الأحوال، كبرنا وافترقت الطرق، لكن شوقنا لم يتغيّر إلى ذاك الحضن الكبير الذي علّمنا أن القوة في الألفة، وأن السعادة تُصنع بدفء اللمة لا بوفرة المال.

انتبهت في النهاية أنها مجرد طيف ذكرى عابرة، ومع ذلك كان قلبي يسمع همسات شوق من الداخل. غادرت المكان ودمعة ساخنة في عيني، كأنها آخر نظرة، ثم واصلت طريقي، والنفس تهمس: “لعل هناك عودة يومًا ما”.

أدركت أن البيوت الكبيرة تبهت صورتها، لكنها لا تفقد قيمتها، تبقى رمزًا خالدًا لأناسٍ أحببناهم، وكانوا لنا قلبًا نابضًا في حناياها.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights