الثلاثاء: 10 مارس 2026م - العدد رقم 2850
مقالات صحفية

العلاقات الصامتة

د. طالب بن خليفة الهطّالي
غالبا ما تبدأ العلاقات بلحظات صغيرة تشبه الحب بلفتة عفوية، سؤال في وقته، أو كلمة دافئة تشعل وهجا داخليا تبدو التفاصيل بريئة، بل مشجعة، فنظن أننا أمام محبة حقيقية، لكن شيئا فشيئا، تبدأ الحقيقة في الظهور لا من الكلمات، بل من الصمت، من تكرار البرود، ومن زوال تلك الحماسة التي كانت تعني الكثير، والمشكلة ليست دوما في تغير الآخر، بل في أننا كنا نبصر ما نحب، لا ما هو كائن.
في العلاقات الزائفة، لا يأتي الخداع صريحا، بل مغلفا بأداء متقن تمارس فيها مظاهر الحب، وتقلد إيماءاته، لكنها تخلو من جوهر التفضيل لست محبوبا لذاتك، بل لأنك تؤدي دورا نافعا فإن انتهى الدور انتهى القرب وتختفي أنت من ذاكرته كما يختفي الدفء من نار أُطفئت، ويبقى فقط دخان العلاقة القديمة.
وفي علم النفس السلوكي تسمى هذه الأنماط بـالعلاقات المؤداة وهي علاقات تمارس فيها سلوكيات الحب مثل الحضور والاهتمام واللطف، لكن بدافع الحاجة أو المصلحة لا الشعور، فالآخر لا يُحبك بصدق، بل يُتقن التصرف معك بما يكفي ليأخذ ما يريد، أو يبقيك حيث ينفعه وجودك. هنا يظهر أثر ما يسمى في علم النفس بـالانحياز الإدراكي العاطفي، ونحن لا نُخدع لأن الحقيقة غير واضحة، بل لأننا نرفض رؤيتها كما هي، إن النفس حين تحتاج تغلق أذنها عن المنطق، وتغلق عينيها عن العلامات الصامتة، ونبرر البرود ونلتمس الأعذار للغياب ونتشبث بالصورة التي نحب لا بالشخص الذي أمامنا.
الوهم هنا لا يأتي كذبة مباشرة، بل يتسلل على هيئة صدق دافئ، ولغة مطمئنة، وأفعال تشبه المحبة، لكنك حين تبتعد قليلا ترى أنك لم تكن محبوبا كما كنت تظن، بل كنت مناسبا لمرحلة، والمناسب لا يفضل بل يستخدم حتى تتبدل الظروف أو يظهر من هو أكثر نفعا.
إن أقسى ما قد تواجهه ليس أن تخذل، بل أن تكتشف أنك لم تكن داخل علاقة حقيقة، بل داخل تمثيل بارع، وأداء يتقن إنتقاء العبارات، ويعرف متى يُظهر الاهتمام، ومتى يغيب، ولا يمنحك مقاما حقيقيا في القلب، بل مكانا مشروطا بحاجة أو فراغ مؤقت، فإذا ما تبدلت الحاجة، انقلب الحنان إلى فتور لا يجرح منه بل يفرّغك ببطء. وهنا عبّر القرآن عن هذا النمط من العلاقات حين قال: ﴿فإن أصابه خيرٌ اطمأنّ به، وإن أصابته فتنةٌ انقلب على وجهه﴾-[الحج: 11] إنها علاقات مبنية على ظرف لا وجدان؛ وعلى المصلحة لا الصدق، علاقة لا ثبات فيها لأن جذورها في المنفعة، لا في القلب.
هذا القرب المزيّف لا يُكشَف بسهولة، لأنه لا يبدو مؤذيا في ظاهره، بل إنه يُشبه الحب في حنانه، ويقلده في اهتمامه، ويتقن لغة العاطفة في تعامله فتغفل النفس لا لأنها ساذجة، بل لأنها نقية، فتصدق كل ما يشبهه حتى لو كان أداء ظنا أن ذلك حقيقة؛ ولهذا فالحب الحقيقي لا يحتاج إلى إثبات متواصل، لأنه يتكشف من تلقاء نفسه، ويظهر في التفاصيل الصغيرة، ويظهر في السؤال الذي لا مصلحة فيه، وفي المبادرة التي لا ينتظر مقابلها، وفي المواقف التي لا تُطلب، فحين تحب بصدق، وتكون العلاقة صادقة، ترى الآخر بذاته، لا بما يقدمه، وهنا قال أبو حيّان التوحيدي: “ما أكثر الإخوان عند الرغبة، وما أقلّهم عند الرهبة”، ثم أضاف في موضع آخر: “القلوب تفضحها المواقف، لا الكلمات، فليس كل من يقترب يُحب، ولا كل من يسأل يُبصر، ولا كل من يُجامل يُخلص”.
العلامات الحقيقية لا تتكلّم، فهي تمرّ بهدوء كأنها عادية، لكنها تفضح كل شيء إذا كنت يقظا فتعلم أن هناك من يُحبك دون إعلان، وهناك من يتقن تمثيل الحب ليأخذ ثم يرحل، والفرق بينهما لا يُرى بالعين، بل يُحسّ بالبصيرة. كما أن الخذلان لا يهبط فجأة، بل يتشكل في التكرار وفي البرود وفي التبرير، وربما الطرف الآخر لم يكن سيئا، لكنه لم يحبك يوما لذاتك، بل لصورتك، وما عندك الذي يخدمه، وحين يتغيّر الظرف يتغيّر معه كل شيء، لا لأنه تبدّل، بل لأنك خرجت من الدور.
يقابل ذلك، قد يبقيك الطرف الآخر، لكن دون أن يراك، وقد يتحدث إليك، لكنه لا يُصغي لا لشي لكن لأنك لم تعُد نافذا إلى قلبه، بل مجرد صوت في ذاكرته، وهذا ما يُسمّيه علم النفس بـانطفاء الرغبة الشعورية المرتبطة بانتهاء الوظيفة العاطفية، وحين تزول الحاجة تزول العاطفة كما يزول الدخان عند انطفاء النار.
المؤلم في هذا النوع من العلاقات أنه لا يرحل بخيانة، بل يبقى بلا روح، ولا تملك دليلا لإدانته، لأنه غيّبك كما تُسحب الروح من الجسد بهدوء وحين تسأل: لماذا أُمسك بشيء يذلّني؟ تكون الإجابة: لأنك لا تتعلّق به، بل بصورتك معه، هنا يتبين إن التخلّي لا يجرح فقط، بل يُفكك هويتك، لأنك بنيت جزءا من ذاتك داخل تلك العلاقة الفارغة، وهذا ما يسمّيه علم النفس الاجتماعي بـتفكك الذات الناتج عن التعلّق الوهمي.
إن الزيف لا يظهر مرة واحدة، بل يتسرّب حيث تراه في السؤال الذي خفّ، وفي اللهفة التي أصبحت مجاملة، وفي اللقاءات التي أصبحت مؤجّلة، في المبادرات التي لم تعُد تبدأ إلا إن طال صمتك، ولتعلم أن من يُحبك لا ينتظرك لتغيب كي يفتقدك، ولا يختبرك بالبرود ليرى إن كنت ستعود. قال ابن حزم: “العلامة على صدق المحبة أن يبذل المحب ما لا يُطلب منه؛ فالصادق لا يحسب حين يُحب، والمزيّف لا يعطي إلا بمقابل، وبعض الناس يمرّون بك كضيوف”.

محطة: يبتسمون، يُحادثونك، يسلّونك ثم يمضون، فلا تخلط بين أثر الضيافة، وأثر السكنى، فالأول مؤقت، والثاني مقيم.
إن جل ما نحتاجه ليس من يقسم أنه يحبنا، بل من يثبت حضوره في صمته، وحنانه في لحظة لا يراها أحد؛ فالمشاعر التي تصرخ في اليسر، قد تصمت في العُسر، أما المحبة الصادقة فلا تحتاج إلى ضوء لتظهر لأنها لا تزول حين يطفأ المسرح، فإذا خرجت من علاقة شعرت فيها أنك لم تكن محبوبا، بل مستهلكا، فلا تعد منها بخيبة بل بخبرة، فلا تندم لأنك أعطيت، بل احمد الله أنك كنت قادرا على العطاء، في زمن يتقنه من لا يملكه، فليكن لك في كل علاقة بوصلة، وفي كل محبة ميزان، وفي كل اقتراب سؤال واحد:
هل أنا مرئي لذاتي أم مطلوب لثمري؟

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights