الأحد: 08 مارس 2026م - العدد رقم 2848
مقالات صحفية

هل ننقرض؟

    صالح بن ناصر المحروقي

كنت أتابع الأرقام السكانية في السنوات الأخيرة، فأدركت أن في المجتمع العُماني تحولاً واضحاً في شكل الأسرة ومسار الحياة، تأخر الزواج يتزايد، والطلاق يمتد بين البيوت، وعدد المواليد يواصل الانخفاض بوتيرة تدعو إلى القلق، ومع تراكم هذه المؤشرات يبرز سؤال يفرض نفسه على المستقبل كله: هل بدأنا ننقرض؟

تقول الأرقام أنّ المرأة العُمانية في التسعينيات كانت تنجب نحو ستة أطفال في المتوسط، وأنّ معدل الخصوبة اليوم لا يتجاوز 2.5 طفل، وهو انهيار يفوق النصف في جيل واحد، ومع هذا التراجع، تتوسع دائرة النساء اللاتي يصلن إلى منتصف الثلاثينيات والأربعينيات دون زواج، ويتكرر المشهد نفسه بين الرجال الذين يجاوزون الثلاثين أو الأربعين دون قدرة على تأسيس أسرة، وهذا تحوّل ديمغرافي خطير يترك أثره على مستقبل البلد كله.

ويرافق هذا الانخفاض ارتفاع ملحوظ في حالات الطلاق، زيجاتٌ قصيرة لا تصمد إلا شهوراً، وأخرى تنهار بعد سنوات قليلة، جيلٌ يدخل الحياة الأسرية وهو محاصر بضغوط اقتصادية ونفسية واجتماعية، فيجد نفسه عاجزاً عن الاستمرار، ومع كل انفصال يهبط عدد المواليد، ويتراجع إقبال الشباب على الزواج.

والعامل الاقتصادي يعمّق الأزمة، فالشاب الذي يحصل على راتب لا يكفي لنفقات يومه لا يستطيع أن يفتح بيتاً ويعيل أسرة، والحد الأدنى للأجور عند 325 ريالاً لا يمنح أي استقرار، بينما يحتاج الشاب إلى حد أدنى لا يقل عن 600 ريال ليتمكن من التفكير بزواج كريم، ومع موجات التسريح، يجد الكثيرون أنفسهم بلا دخل، فيتحول الزواج إلى مخاطرة قد تُفقده كل شيء.

وتضيف الضغوط الاجتماعية عبئاً آخر، حفلاتٌ باهظة، ومهور مرتفعة، واشتراطات لا تنتهي، ومقارنات تُثقل الكاهل عبر وسائل التواصل، فيزداد الشعور العام بأنّ الزواج مشروع يفوق الطاقة، وفي قلب هذه الصورة تتسع خطابات تضعف الانسجام بين الرجل والمرأة، وتحوّل العلاقة إلى مواجهة تُسرّع الانفصال.

أما تراجع الخصوبة فهو المؤشر الأخطر، فإذا استمر المعدل بالانخفاض، فإنّ عُمان ستصل خلال سنوات قليلة إلى مستوى دول دخلت مرحلة التقلص الديمغرافي مثل كوريا واليابان، فحين تنخفض الخصوبة عن 2.1 يبدأ المجتمع بالتراجع، وحين تقترب من 1.5 يصبح التعافي صعبا جداً، ونحن اليوم نقف بين هذين الرقمين، والزمن يتحرك بسرعة.

ومع تراجع مواليد العُمانيين وارتفاع مواليد الوافدين، تتسع الفجوة السكانية وتقل القدرة على الحفاظ على التوازن، فالوطن الذي يتراجع عدد أبنائه، بينما يزداد اعتماده على غيرهم يدخل مرحلة دقيقة، تتطلب مراجعة صريحة للسياسات المرتبطة بالعمل والدخل والسكن والحماية الاجتماعية.

والحلول ممكنة إذا توفرت الإرادة، دعم الزواج بصورة واقعية عبر صناديق فعّالة، وتخفيف الأعباء عن الشباب بخفض المهور وتقليل التعقيدات، وإحياء ثقافة اليُسر التي نشأ عليها المجتمع العُماني، وتحسين الدخل وفرص العمل، وتوفير حد أدنى من الأمان الاقتصادي لمن يريد أن يبدأ حياته.

ويحتاج المجتمع إلى وعي يعيد للزواج قيمته، وللأسرة دورها، ويُعيد للعلاقة بين الرجل والمرأة معناها الإنساني، فبقدر ما ينهض الوعي ينهض المجتمع كله.

إنّ سؤال “هل ننقرض؟” هو صيحة إنذار، ودعوةٌ إلى النظر في المستقبل، فالمجتمع لا يقوم إلا بالأسر التي تُولد وتنمو وتمنح الوطن أبناءه، وكل ما نرجوه أن يبقى هذا البلد ممتداً بأهله، متجدداً بأطفاله، قادراً على أن يواصل مسيره دون أن يفقد توازنه الديمغرافي أو قوته التي كانت دائماً سرّ بقائه وحيويته.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights