الثلاثاء: 10 مارس 2026م - العدد رقم 2850
مقالات صحفية

نحن لا نحتاج إلى قبةٍ من حديد

بقلم / علي بن مبارك اليعربي
باحث في المجال النفسي والتربوي

في زمنٍ صار فيه الأمن يُقاس بسُمك الحديد، ويُترجَم بلغة الصواريخ والدروع والمنظومات الدفاعية، نسي الإنسان حقيقةً هي أقدم من كل التكنولوجيا، وأعمق من كل اختراع، وهي أنَّ الأوطان لا يحميها الحديد وحده، بل يحرسها الضمير، وتنهض بها القيم، وتحييها القلوب الحيّة.
يتحدّث العالم اليوم عن القباب الحديدية، ويتباهى بمنظومات الردع والحماية، بينما يغفل – أو يتغافل – عن العدو الأخطر والأكثر فتكًا: العدو الذي يسكن داخل الإنسان نفسه… ضميرٌ ميت، وقلبٌ متحجّر، وعقلٌ غائب ووعي زائف.
إننا لا نحتاج إلى قبةٍ من حديد، بل إلى قلبٍ واسعٍ وضميرٍ حي.

الضمير… خط الدفاع الأول في تاريخ الأمم.
التاريخ يعلّمنا أن أعظم الحضارات لم تبدأ قوتها من السلاح، ولم تسقط بسبب نقص العتاد، بل قامت على القيم وسقطت عندما انهارت الأخلاق.
روما لم تنهَر يوم اخترقت جيوش الأعداء أسوارها، بل يوم اخترق الفساد والظلم ضمائر قادتها. وبابل لم تسقط عندما غابت عنها الأبراج، بل عندما غابت عنها العدالة.
وفي المقابل، صعدت حضارات لأنها امتلكت مبدأ وقيمة.
الحضارة العربية الإسلامية مثال حيّ على أمةٍ بنت مجدها بالعلم والرحمة قبل القوة. وفي الأندلس، لم يكن التعايش مجرد خطاب، بل واقعًا اجتمع فيه الجميع تحت مظلة العقل والعلم والاحترام المتبادل.
وحين استعاد صلاح الدين القدس، لم يسجّل له التاريخ أنه قائد عسكري فحسب، بل قائد إنساني حمل في قلبه من السموّ ما جعله مثالاً للعدل حتى عند أعدائه.
هكذا تصنع الأمم المجد الحقيقي… بالضمير قبل السلاح.

حين يموت الضمير… تبدأ الكارثة
حين يتوقف الضمير عن النبض، يصبح الظلم وجهة نظر، والعدوان مشروعًا، والإنسان رقمًا في نشرة أخبار. وتُرتكب الجرائم تحت مسميات برّاقة: “الدفاع عن النفس”، “الأمن القومي”،
“الوقاية الاستباقية”، بينما الحقيقة تختنق تحت الركام.
القبة الحديدية قد تعترض صاروخًا، لكنها لا تستطيع أن تُسقط الكراهية من القلوب، ولا أن تُعيد إنسانًا تحوّل إلى رقم، ولا أن تُرمم ضميرًا مات منذ زمن.
وهنا تتجلى الحقيقة الكبرى:
الخطر الحقيقي ليس خارجنا… بل داخلنا.

القلب الواسع… حصنٌ لا يُخترَق
القلب الواسع ليس ضعفًا، بل قمة القوة الإنسانية. هو الذي يتسع للاختلاف دون أن يتحول إلى صراع، ويحتوي الغضب دون أن يصنع كراهية، ويُدافع عن الحق دون أن يظلم.
نحن اليوم بحاجة إلى قلوبٍ تفهم قبل أن تُدين، وتُفكّر قبل أن تُهاجم، وتُحبّ الأوطان دون أن تكره الآخرين.
نحتاج إلى تربية تُعلّم أبناءنا أن القوة ليست في البطش، بل في الحكمة، وأن النصر الحقيقي هو انتصار القيم.
فكم من سلاحٍ هدم!، وكم من ضميرٍ بنى!

أزمة فكر وتربية… قبل أن تكون أزمة سياسة
الصراعات التي تعصف بالعالم العربي والإسلامي اليوم لا تبدأ من البندقية فقط، بل من الفكرة.
فكرة متطرفة، وخطاب مشوَّه، وتربية تقوم على الخوف والكراهية بدلاً من الفهم والتسامح.

وهنا تقع المسؤولية الكبرى على: الأسرة والمدرسة والمسجد والإعلام والمثقفين وأصحاب القلم والسياسة.

إعادة بناء الإنسان لا تبدأ بإعادة تسليحه، بل بإعادة تربيته على: احترام الإنسان والتسامح الواعي وحب الوطن دون تعصب والدفاع عن الحق دون ظلم

إنَّ أعظم معركة تخوضها الأمم ليست على الحدود، بل في العقول والقلوب.

رسالة إلى الجيل العربي الصاعد
أيها الشباب…

لا تكونوا وقودًا لصراعات لا تفهمون حقيقتها.
لا تسمحوا للغضب أن يقودكم، ولا للكراهية أن تعمي بصيرتكم.
كونوا قبةً من نور تحمي أوطانكم بالعلم والفكر والأخلاق.
كونوا جدارًا من قيمٍ لا تُهدم، وضميرًا حيًّا لا ينام في وجه الظلم.
فالحديد يصدأ… و القيم تبقى وتدوم.
ختاما أقول لسنا بحاجة إلى قبةٍ من حديد تغشى السماء، نحن بحاجة إلى قلوبٍ واسعة تحمي الأرض، وإلى ضمائر حيّة تحرس الحقيقة، وإلى عقولٍ مستنيرة تُعيد للإنسان إنسانيته.
فإذا صلح الضمير… صلح كل شيء.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights