يا مهزول القطيع

أحمد بن سالم الفلاحي
تروي قصص التراث الكثير من المواقف، والمآثر، والنوادر، والحكايات الجميلة عن الضيوف ومكانتهم لدى مستضيفيهم، وشكل ذلك كله “بانوراما” جميلة من هذا التفاعل الجميل بين الزائر والمزار، حتى أصبحت هذه الصورة الاجتماعية رائعة بما تحفله من ود، وما تزخر به من قربى، وما تعيشه من مواقف مختلفة، حتى أصبح الكثير من هذه المواقف حكما وأمثالا، وعبرة، ودروسا تناقلتها الأجيال في صورة من الحميمية الاجتماعية التي تصل اليوم إلى الندرة، فلا الضيوف هم الضيوف الذين سمعنا عنهم، وتناقلتهم ألسنة كبار السن، ولا المستضيفين كذلك، حيث تبدل كل شيء، وتغيرت كل المواقف، وتلبست الحياة الاجتماعية على وجه الخصوص أثوابا أخرى غير التي تروى على ألسنة كبار السن، ولأننا لا نعرف الحقيقة بكاملها في هذا الجانب بالذات إلا بالقدر الذي سمعناه منهم، ولا ندري بالتالي عن المبالغة في ما يروى، وبالتالي علينا التسليم النسبي فيما سمعناه، وما نقرأه في كتب التراث.
أما واقعنا اليوم يختلف تماما، وكل العلاقة القائمة اليوم بين الزائر والمزور علاقة فاترة لحظات لا تصل حتى إلى ساعات زمن قصيرة، فالجميع مشغول، والجميع مستعجل، والجميع لا يملك فراغا كبيرا يخصصه لضيفه، أو يخصصه الضيف لمن يزوره، حيث لا تكلف فيها ولا ندرة في إبداء الكرم، ولا تميز في تقديم واجبات الضيافة، ولعل الدهر هكذا حاله، يفرض أجندته الخاصة في كل فترة زمنية تمر، حيث تتبدل المشاعر، وتتغير القيم، وتتماهى العادات، ويظل الزمن يحمل خصوصية وقته وظروفه، ولا أتصور أنه سوف يسجل مآثر نادرة وخالدة كما سمعنا، وقرأنا عن ما صاحب “الضيافة” من قيم، وأحكام، وسنن، وقواعد أقرها أبناء المجتمع على أنفسهم، حتى أصبح التنازل عنها نقيصة، وذنب لا يغتفر، وقد يوسم من يخلّ بشيء من ذلك بالكثير من الإساءة، وبالكثير من العيب، حيث يتهم في أخلاقه، وأصله، ونسبه، وعليه أن يتحمل كل ذلك لكونه سمح لنفسه الاخلال بشيء مما تقتضيه واجب الضيافة، وإكرام الضيف، ويكفي ضربا للمثل بحاتم الطائي “كريم العرب” لمواقفه المختلفة التي توثقها كتب التراث اليوم، ويكفي دليلا مجموعة الأمثال التي توثق هذا الجانب المهم في حياة الناس، ولعل أبيات الشعر التي تنسب إلى جرير، وبعضهم ينسبها الى الأخطل، وهي:
“قوم إذا استنبح الأضياف كلبهم: قالوا لأمهم؛ بولي على النارف تمسك البول بخلا أن تجود به: وما تبول لهم الا بمقدار” ومن ذلك أيضا الأمثال: “يا جبان الكلب”، وكذلك: “يا مهزول القطيع”، كلها تعكس كما نوعيا لهذه الحفاوة التي يجب ان يلقاها الضيف الزائر من أهمية بالغة لديه، وما يتبع ذلك طبعا من تقديم الطعام، والمبالغة في الترحيب، وإنزال الضيف منزلة الود، والإخاء، خاصة في أول ثلاثة أيام، وإن زاد عن ذلك فهو صدقة، أي نتقل المسألة من الواجب إلى المندوب، وكما يروى أيضا: “أَنَّهُ إِذَا نَزَلَ بـ”المضيف” الضَّيْف أَنْ يُتْحِفهُ، وَيَزِيدهُ فِي الْبِرّ عَلَى مَا بِحَضْرَتِهِ يَوْمًا وَلَيْلَة، وفي الْيَوْمَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ يُقَدِّم لَهُ مَا يَحْضُرهُ، فَإِذَا مَضَى الثَّلَاث فَقَدْ قَضَى حَقّه، فَمَا زَادَ عَلَيْهِ مِمَّا يُقَدِّمهُ لَهُ يَكُون صَدَقَة”.
تزخر المنازل اليوم بمجالس فاخرة وغاية في الروعة والتنظيم والتهذيب كل ذلك لزائر منتظر، لا يلبث أن يودع قبل أن يسلم، فقد عز الزائر، وأصبح نوعا من الذكريات الجميلة التي تمر بالمخيلة، فمن يأتيك لدقائق معدودة، فذلك أقصى ما يكون، إنه الزمن بأجنداته الفارضة نفسها على البشر.



