حياة الكاتب

محمود بن خلف بن ناصر العدوي
تمثل الكتابة للعديد من الكتّاب نفساً وروحاً، تجسد في سطور الصفحات البيضاء معاناة عاش لحظاتها لتخرج على هيئة نصوص أو رواية أو قصة قصيرة، أو عبارة عن سطور لمعاناة عاشها الآخرون ، أو نقلاً من الواقع المحيط به، أو عالما من الإلهام والخيال الذي يقوده إلى الكتابة في أي لحظة كانت، فبمجرد أن تدب بداخله حياة الحروف والكلمات يجد نفسه ممسكا بالقلم ليبدأ مهمة الكتابة ليدخل في مرحلة عراك لا يتوقف، فمنذ أن يبدأ بكتابة سطوره الأولى تجده يتعارك مع الأفكار والكلمات التي يريد أن يملأ بها الصفحات البيضاء، وعندما تخرج سطوره للقارئ تبدأ مرحلة الشكوك هل فعلا اختار الكلمات والجمل والتعابير المناسبة؟ هذا يولّد لدى الكاتب نوعا من الخوف ما بين الاستمرارية والانتظار، الاستمرارية في الكتابة دون أن يعرف ردة فعل القارئ اتجاه ما كتبه، أو انتظار ردة فعله.
حياته عبارة عن قصاصات متناثرة يدون فيها الأفكار ورؤوس الأقلام، فلا تستغرب أن لاحظت كاتبا أوقف سيارته على رصيف الشارع فهناك فكرة كتابة طرأت في عقله ولا يريد أن يؤجلها فتختفي في مشاغل الحياة اللامتناهية، ولا غرابة إن رأيت كاتبا غارقاً في الصمت منعزلا بوجدانه في مجلس مليئ بالبشر فهو يحاول أن يخرج نصاً من الأحاديث، أو قد يستمع إلى حكمة ينطق بها أحد الحاضرين فتكون إلهاماً كتابيا، دوامة هذا العراك والصراع الداخلي للكاتب تخلق منه شخصيات متعددة أحيانا تجده هادئاً ، غامضا ، حتى مع هدوء الليل وسكون الأنفس في كثير من الأحيان لا تبحث نفسه عن النوم عندما يوقظه عقله بفكرة كتابية تجده ، يحاول بكل طرق أن يطرد النوم من جسده .
فحياة الكاتب في عراك مستمر فهي ليست كما يتخيلها من يقرأ سطوره بأنها حياة هادئة ومستقرة ولو كانت كذلك ما كنا نتلذذ بالنصوص الأدبية، وما كانت عقولنا تغرق في متعة قراءة رواية أو قصة قصيرة عاش لحظاتها الكاتب ليجسد تفاصيلها في سطور كثيرة ، فالقلق والعراك الذي ينتاب الكاتب الحقيقي جزءا لا يتجزأ من إبداعاته الفكرية، فهو يحاول جاهدا أن تكون نصوصه مستساغة لدى القارئ، القارئ المتفاعل مع النصوص باختلاف أنواعها، القارئ الذي يزيح المجاملات بعيداً في مثل هذه المواضع.
والذي لديه القدرة على النقد المعتدل فلا يبالغ في نقده حتى لا يقتل روح الكاتب أيضا، بل يمنحه روحا أخرى للاستمرارية والإبداع الفكري المنير، فهناك الكثير من الأدباء والكتّاب الذين عاشوا لحظات القلق والعراك أمثال محمود درويش، لتخرج أشعاره من قلق الهوية والانتماء بسبب نكبة فلسطين ليكتب من وسط صراع داخلي عميق بين الحب والمقاومة، وبين الوطن والمنفى.
قائلاً:
“وطني ليس حقيبة… وأنا لست مسافرًا.”



