الخميس: 12 مارس 2026م - العدد رقم 2852
مقالات صحفية

حين تبكيك الذكرى ويتربع الحزن ..

عادل بن حميد الجامعي

ليس الحزنُ كما يتوهمُ بعض الناس زفرةً تعلو في أول الصدمة، ولا دمعةً تُسكب حين يُذاع النبأ، بل هو أعمقُ من أن يُستدعى، وأعصى من أن يُمسك بلجام.. الحزنُ الحق، لا يأتي حين يُنادى: “مات من تحب”، بل حين تمرّ الأيام وتُفيق النفس من غفلتها، وتكتشف أنها لم تعِ بعدُ ما فُقد. في ساعة الفقد، تُصيب النفسَ سكينةٌ كاذبة، لا لأنّها لا تحب، بل لأنها برحمةٍ خفيةٍ من الله تُصاب بما يشبه خَدَر الرحمة، تتلبّسها حالةٌ من البلادة العاطفية، لا تبكي، لا تصرخ، لا تئن، كأنها في حلمٍ ثقيل لما تستيقظ منه بعد.. كأن القلب يُغلق نوافذه كيلا تقتحمه العاصفة، فيؤجل الحزن إلى أجلٍ لا تعلمه إلا الذكرى.

ثم تمضي الأيام..

ويفتح القلب نافذته على غفلة، فيهبّ عليه طيف من أحب، من حيث لا يحتسب: رائحةٌ على ثوب، كلمةٌ في عابر حديث، صورةٌ سقطت من أعلى رف، مكانٌ شاغر على مائدة، أو حتى همسةٌ في المنام.

هناك، يبدأ الحزن الحقيقي، لا ضجيج فيه، بل وجعٌ ناعمٌ كالسهم، لا يَظهر، لكنّه يمضي في العمق.. هناك، لا تبكي لأن الموت أتاك، بل لأنك أدركت أن الحِب لن يعود.. لأنك وعيتَ الآن الآن فقط، كم كان وجوده حياة، وكم كانت أيامك به مضيئة..

الحزن المتأخر ليس برودًا، بل صدقٌ تجلّى متأخرًا، كزهرة لم تُزهر في الربيع، لكنها أبت إلا أن تفوح حين تسكن الأرضُ ويصفو الهواء..

إن النفس حين تصطدم بالنبأ، لا تنهار فورًا، بل تصمتُ، تُراقب، وتخزّن.. ثم حين تأمن من الزلزال، تبدأ في التفكّر، والتأمل، والانكسار النبيل.. تبكي لا بدمعةٍ، بل بذكرى.. لا بعين، بل بروحٍ انفتحت على المعنى.

والعجبُ، أن هذا الحزن الهادئ، رغم بطئه، أصدق من ألف نحيب..

لأنه يأتيك بعد أن جرّدتَ نفسك من الزيف، وبعد أن لم تعد تبكي أمام أحد، بل وحدك، في زاويةٍ تعرف فيها الله، وتذكر فيها من رحل..

وهنا، يُكشف لك وجه الحكمة:

أن الله يُمهل القلب، حتى يشتدّ عوده، ثم يفتح له باب الحزن، لا ليعذبه، بل ليطهره.. لا ليكسره، بل ليُريه كم كان محبوبه عظيمًا..

فلا تحزن إن تأخر حزنك،

فبعض الدموع لا تولد في المقبرة، بل في لحظة صفاء، وبعض الفقد لا يُدرك حين يقال: “لقد مات”، بل حين يقال في قلبك: إلى لقاء..

ولعل هذا التأخر، ليس تأخرًا، بل موعدًا دقيقًا مع الحزن، حين يصفو، ويتحول من وجعٍ إلى صلاة، ومن دمعةٍ إلى شكر..

وحينها، فقط، لا تكون الذكرى حسرة، بل مقام حضور، ولا يكون الحزن انكسارًا، بل قيامًا آخر،

قيامًا بالشكر.. على من رحل، وعلى ما بقي فيك من أثره..

ما أتعب الفقد..

رحم الله العابرين..

رحم الله أمي وأبي ورضي عنهما..

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights