الظاهر علامة وليس حقيقة

أحمد بن سعيد السعيدي
في كل صباحٍ تشرق الشمس، وهذا ليس حدثاً كونياً متكرراً فحسب، بل حقيقة ألفناها حتى كففنا عن التفكير فيها، نرى الضوء وهو ينسكب على الأشياء، فنحسبه بسيطًا، شفافًا، بلا تاريخ. ولا يخطر لنا أن هذا الإشراق الهادئ هو نتيجةُ تفاعلاتٍ مهولة، واحتراقٍ دائم، واندماجاتٍ نوويةٍ لا تتوقف، وعملياتٍ فيزيائية وكيميائية معقدة، لولاها ما بدا النهار نهارًا، ولا السماء زرقاء كما نعرفها.. إن ما نراه ليس سوى الأثر الأخير لعمقٍ لا يُرى.
كذا الإنسان، نرى ملامحه وشكله، نرى ابتسامته وتفاعلاته ، ولكن لا نعلم ما يكمن في أعماقه .. لا نعلم ما يكمن خلف ذلك الهدوء وخلف تلك الملامح؛ كم من صراعٍ صامت يجري في الداخل، وكم من أسئلةٍ مؤجلة، وكم من خوفٍ لا يُقال، نظن السكونُ سلامًا، ونحسب الصمت رضا، بينما قد يكون الداخل مزدحمًا بالضجيج، مرَضّخٌ بالتجارب، مثقلاً بذكريات لا تهدأ.
الإنسان ليس كما يبدو عليه فقط؛ هو تراكم لحكايات لم تُروَ، وانكساراتٍ علمته كيف يقف. في داخله عمليات لا تقل تعقيدًا عما يحدث في قلب الشمس: أفكار تتصادم، قناعات تتغير، مشاعر تتولد ، وألم متكرر ، كل ذلك وانت لا ترى إلا الظاهر منه .
نحن نرى النتيجة ولا نرى المسار، نرى الابتسامة ولا نرى ثمنها، نرى القوة ولا نرى تكلفتها ، كما يصلنا من الشمس الضوء ولا يصلنا احتراقها، يصلنا من الإنسان أثره، لا معاركه.
ولهذا، فإن الحكم على البشر من مظاهرهم يشبه تفسير الكون من نافذة صغيرة؛ رؤية ناقصة، وإن بدت واضحة. فكل إنسان هو عالَمٌ بحدِّ ذاته، له مظاهره وظواهره وتقلباته وتضاريسه . ومعظم هذه الأسرار تكشفه الرحمه ، وحسن الظن ، وتقدير المشاعر ، وفهم الشعور . تكشفه الإنسانيه المصقولة الطاهره .
فربما كان ألطف ما يمكن أن نقدمه لبعضنا هو هذا الإدراك: أن خلف كل وجهٍ هادئ، عالَمًا كاملًا يعمل بصمت، وأن النور الذي نراه في الآخرين قد يكون آخر ما تبقى لهم من احتراقٍ طويل.



