اجتهد ولا تيأس..

صالح بن سعيد الحمداني
كيف يُبنى الفريق الذي لا يعرف الاستسلام، ففي عالمٍ تتسارع فيه وتيرة المنافسة وتشتد فيه معارك النجاح في كل ميدان، وتكون القلوب معلقة بقصص النجاح، لم يعد بناء فريق عمل قوي مسألة حظ أو مجرّد تجميع لأسماء لامعة بل أصبح فنًا قائمًا على فهم عميق لطبيعة البشر ودوافعهم، المعرفة على قراءة الأفكار وحسن التعامل مع أصحابها كلٌ بطبيعته، وحين يقول أحد القادة «عندما أقوم ببناء فريق فإني أبحث دائمًا عن أناس يحبون الفوز، وإذا لم أعثر على أيٍّ منهم فإنني أبحث عن أناس يكرهون الهزيمة»، فإنه يضع يده على جوهر القيادة الحقيقية ومعنى الإصرار الذي لا ينكسر.
الفريق الناجح لا يتكوّن فقط من أصحاب الشهادات والخبرات ومن يمدحون أنفسهم ويقللون من الآخرين بل من أصحاب العقول المتّقدة والقلوب التي ترفض الاستسلام، ولا تعرف معنى للهزيمة ولا تقبل بها، فحب الفوز ليس مجرد رغبة في التتويج أو الظهور في الصورة الأخيرة إنما هو شغف داخلي يدفع الإنسان إلى بذل أقصى ما لديه والعمل بجد حتى في أصعب الظروف وتحمل أصعب المواقف، هؤلاء الذين يحبون الفوز يرون في التحديات فرصًا، وفي العوائق سلّمًا للصعود، ولا يرضون لأنفسهم أن يكونوا في الصفوف الخلفية، لكن الواقع لا يخلو من مفارقة؛ إذ قد لا تجد دائمًا من يعشق الفوز بذات الدرجة التي تتمنّاها، هنا يظهر الخيار الثاني الذي لا يقل أهمية ولا قيمة “أناس يكرهون الهزيمة”، هؤلاء قد لا يتغنّون بالانتصار لكنهم يرفضون الخسارة رفضًا قاطعًا، الهزيمة بالنسبة لهم ليست رقمًا عابرًا في سجل النتائج فهم يرونها جرحًا في الكرامة المهنية ودافعًا مضاعفًا للعمل والاجتهاد، إنهم يقاتلون حتى اللحظة الأخيرة، لأنهم ببساطة لا يقبلون أن يغادروا الميدان خاسرين.
في الفرق العظيمة لا يُقاس النجاح بعدد الانتصارات فقط إنما بقدرة الفريق على النهوض بعد السقوط، وهنا تتجلّى قيمة الشعار الخالد “اجتهد لا تيأس”، فاليأس هو العدو الأول لأي فريق وهو البوابة التي تدخل منها الهزيمة النفسية قبل أن تتحقق على أرض الواقع، القائد الحكيم هو من يغرس في فريقه قناعة راسخة بأن الفشل مرحلة وليس نهاية، وبأن كل تعثّر يحمل في داخله درسًا ثمينًا لمن أراد أن يتعلّم، العمل الجماعي الحقيقي يتطلّب أشخاصًا يؤمنون بأن نجاح الفرد لا يكتمل إلا بنجاح الفريق، محبو الفوز ورافضو الهزيمة يشتركون في صفة أساسية الإحساس العالي بالمسؤولية، فهم لا يلقون اللوم على الظروف، ولا يختبئون خلف الأعذار بل يسألون أنفسهم دائمًا «ماذا يمكن أن نفعل بشكل أفضل؟ وكيف نطوّر أداءنا؟» هذا السؤال البسيط هو الوقود الذي يدفع عجلة التقدّم إلى الأمام، ومن منظور صحفي يمكن القول إن الفرق التي تصنع الفارق في المؤسسات، والرياضة، والإعلام، وحتى في العمل التطوعي، هي تلك التي يقودها مبدأ واضح “الاجتهاد المستمر وعدم الاستسلام”، فكم من مشروع وُلد ضعيفًا لكنه كبر بالإصرار؟ وكم من فريق تعرّض لهزائم متتالية، ثم عاد أقوى لأنه لم يسمح لليأس أن يتسلل إلى داخله؟ القائد الناجح لا يبحث عن الكمال بل بحثه عن العزيمة، ولا يبحث عن أشخاص لا يخطئون بل عن أشخاص يتعلّمون من أخطائهم، وحين يجتمع حب الفوز مع كراهية الهزيمة يولد فريق يعرف طريقه جيدًا، حتى وإن تعثّر في بعض المنعطفات، فريق يؤمن بأن الاجتهاد اليوم هو انتصار الغد، وأن اليأس خيانة للحلم المشترك.
ويمكن أن أقول بعد تجارب في الحياة وخوض بحار المغامرات في المبادرات والفرق فإني أرى “يبقى بناء الفريق مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون إدارية، إنها مسؤولية زرع الأمل، وتحفيز العقول، وشحذ الهمم، وعندما يكون شعار الفريق «اجتهد لا تيأس»، فإن الرسالة تكون واضحة، والطريق قد يكون طويلًا، والتحديات قد تكون قاسية، لكن من يحب الفوز أو يكره الهزيمة لن يتوقف قبل أن يصل”، هذه وجهة نظري وأسألُ اللهَ أن أكونَ قد وُفِّقتُ بها.



