السياسة حين تفقد قلبها

رشاد محمود التلاوي
في زمن تتصاعد فيه وتيرة الانقسام السياسي، وتتسع فيه الهوّة بين الخطابات والقيم، قد يبدو الحديث عن الجمع بين الثقافة والسياسة والحب ضربًا من المثالية؛ لكنه في الحقيقة سؤال عميق يفتح بابًا لإعادة التفكير في المعادلات التي تحكم مجتمعاتنا اليوم.
الثقافة ليست حبرًا على ورق ولا حفلات موسيقية فقط، بل هي وعي، ومسؤولية، وهوية، حين تتخلّى السياسة عن الثقافة، فإنها تتخلى عن الأخلاق، تغدو فارغة من المعنى، مليئة بالشعارات، مستعدة لكل أشكال التبرير، أما السياسة التي تستند إلى خلفية ثقافية، فهي أكثر إنصافًا، أكثر احترامًا، وأكثر إنسانية.
أما الحب، فلا نقصده في بعده العاطفي الضيق، بل كقيمة، كقدرة على الاعتراف بالآخر، على احتوائه لا سحقه،في السياسة، يمكن للحب أن يعني الحرص على كرامة المواطن، الإصغاء لصوت المعارضة، والسعي للإصلاح لا الانتقام.
ولكن الواقع كما نراه اليوم يُظهر تحوّل السياسة إلى مسرح لتصفية الآخر، لا لمشاركته. الهدم صار أسلوبًا، والإقصاء غاية، والخطاب العنيف مقبولًا بل ومرغوبًا في بعض الدوائر، وكأننا نعيش في زمن باتت فيه القوة مرادفًا للنجاح، والكراهية وسيلة للإقناع.
ورغم ذلك، لا يزال هناك أمل، يمكن أن نعيد للسياسة دفء الثقافة، وروح الحب، يمكننا أن نراها من جديد كأداة للبناء، لا للهدم، المسألة ليست مستحيلة، لكنها تتطلب وعيًا جديدًا، وقلوبًا أقل جفافًا.
فهل نستطيع؟ أم أن هذا السؤال بات ترفًا في زمن الواقعية القاسية؟



