الخميس: 03 أبريل 2025م - العدد رقم 2509
Adsense
مقالات صحفية

وانطفأ المصباح الأخير..

هلال بن حميد بن سيف المقبالي

لم يشأ العام ألفين وعشرين أن يرحل دون أن يغيب عزيزاً علينا، ويدون اسمه في صفحته الأخيرة، بعد أن غيَّبَ فيروس كورونا (كوفيد 19) عن عالمنا الوالد(سعيد العوفي)، جارنا منذ أكثر من خمسين عاما حتى قبل أن أولد، جارنا منذ أن انتقل والدّي إلى تلك الحارة ، رحل تاركاً خلفه ظلام دامس فقد كان آخر الراحلين عن حارتنا الصغيرة بقرية الغشب، رحل وانطفأت الشمعة الأخيرة من المصباح الذي كان ينير ذاك المكان، ذلك النور الذي كان يلتمسه كل من قدم إلى الحارة ساكنا أو زائراً، رحل ذلك الرجل الطيب الحنون الوقور، الذي أن أخذ من العمر ما أخذ ورغم تقدمه في العمر تراه في رونق وجمال وقوة الشباب جسمه مفعم بالحيوية والنشاط، أنيق بهندامه، مرح القلب، بشوش الوجه وكأنه شاب في الثلاثين من عمره لولا الشعر الأبيض الذي غزى لحيته وشعر رأسه، لم يؤثر عليه تقدم العمر، ولم نسمع عنه أنه مصاب بأمراض العصر المزمنة، التي يعاني منها الكثير من أقرانه أو حتى من يصغرونه في العمر، كان كل من يراه يقول له مازحا، ما زلت شاباً لولا الشعر الأبيض، اخبرنا عن السر في ذلك؟ مبتسماً لهم ومتجاهل الإجابة.

بالرغم من انتقالي من تلك الحارة لكنني كلما ذهبت إلى بيت العائلة، لا بد وأن أذهب للسلام والاطمئنان عليه، وتناول القهوة معه، في مقامه كمقام الوالد رحمة الله عليهما جميعا، وزيارته واجبة، فهو كثير العتب لمن يحب، ودائماً يذكرني بصحبة والدّي وعلاقتهما ببعض فهما ليسا جيران فقط، بالقدر ما كانوا أسرة و عائلة واحدة، تربط بينهما المحبة والتعاون، وحق الجيرة، والسيرة الطيبة الحسنة، و حتى في أزمة كورونا و عند إغلاق المحافظات كنت متواصلا معه، وذات مرة اتصلت به للاطمئنان عليه، و سألني أنت وين ؟ قلت له : في بيت جيرانك (الشياب)؟ قال تعال نحن لا نمنع أحدًا جاء لزيارتنا. وفعلا وجدته في مكانه كما عهدته.
كان باب منزله الشرقي محاذي الطريق مفتوح باستمرار فما عليك إلا أن تنادي (أبوخالد) أو تهود (هود هود) ليأتيك الجواب بكلمة (حيهم) تعال قرب، دائما ما تجده جالساً على كرسيه المعتاد تحت ظل عرشه الذي اختص به لنفسه ويجد راحته فيه كيف لا وهذا العريش تحيط به الأشجار من كل جانب، فارشة ظلالها على المكان، وشجرة الياسمين المتسلقة على أعمدة العريش، التي تبث رحيقها كلما تفتحت زهورها، معطرة المكان بعطرها البكر،. هنا كان يقضي معظم وقته متابعًا قناته المفضلة قناة عُمان العامة، و دلة القهوة وعلبة التمر و حاوية ماء الشرب على الطاولة أمامه ، مع الأكواب والفناجين وضعت جاهزة لكل قادم، فهو لا يكلف نفسه عناء إحضار القهوة ، أو الاهتمام بالرسميات، و لا تغريه الشكليات، فهو عفوي التعامل بأبعد حدوده، وهذا الوضع يجعل المار من تلك الطريق يأخذ استراحة قصيرة عند (أبو خالد)، من الجيران والأصحاب والأقارب ، و حتى الضيوف، _ ما يؤمن بكلمة ضيوف _ فكان الكل عنده سواء، يتأثر كثيراً عندما لا يمر عليه أحد، ذات يوم مررت عليه مسلماً ومطمئناً، ومعتذراً منه بعدم الجلوس لتناول القهوة، فهمس في أذني أجلس تقهوى فاليوم لم يأتي أحد حتى الآن ، وأنت أول شخص تمر عندي اليوم، وما هي إلا لحظات، وقبل أن أنتهي من تناول قهوتي، إلا و توافد عليه أصحابه، فحمد الله كثيراً، قائلا لي ممازحاً (عندك علم الأولين سحبتهم بعلمك وجيوا) . فكان الجلوس معه لا يخلو من الحكايات الجميلة والطرائف المضحكة التي دائما ما يتحفنا بها.

في آخر زيارة زرته فيها رحمة الله عليه، كان كعادته يمد يده لمصافحتي، متجاهلاً تمنعي من المصافحة، و قلت له حينها مازحاً المصافح ممنوع هذه الأيام ، ألا تخاف من فيروس كورونا؟ رد رحمة الله عليه بعفوية تامة (أنا مؤمن بالله، و محاط بعنايته، والاحتراز موجود، هذا المعقم أستخدمه و هذا الماء اغتسل منه، وأستخدم الفناجين والأكواب الكرتونية للاستخدام لمرة واحدة، والحمد لله، بدأت أعداد المصابين تتناقص، وعاد يوم ما جاء قبل ما جاي يجي،. ومطمئن من ذلك، لأنه ما يجي عندي غير المحب والمحب ما يضر حبيبه بشيء، و متوكل على الله، و ما كتبه الله لي سيصيبني، و الأجل معروف عند الله أسبابه وأوقاته) ، بهذه الكلمات العفوية التي تفوه بها، كانت بالنسبة لي درس من دروس الحياة التي لا يبخل بها علينا، متفاجئا بعدها بأنه أصيب بهذا الفيروس وأنه بالعناية المركزة، لم أكن مصدقاً ذلك حتى تواصلت مع أحد أبنائه الكرام مؤكداً إصابته وأن حالته مستقرة، مستمراً بالتواصل معه للاطمئنان على حالة والدنا، وكان آخر اتصال بيننا قبل وفاة الوالد سعيد بيومين فقط، وكان يطمئنني بأن الوالد بأحسن حال وأفضل من ذي قبل وخرج من العناية، لأصحو بعدها برسالة الوالد في ذمة الله.

كان رحمة الله عليه من أحرص الناس على التواصل والمشاركة في الأفراح والأتراح.، وزيارة المرضى، كان حريصاً على ذلك
ستفتقده المجالس، و يفتقده كل من عرفه وجالسه، الفقيد عزيز علينا والحزن يعتصر قلوبنا، كان السراج المنير في ذاك المكان الذي نهتدي بنوره، و تشعر بدفئه، كان لنا الأب البديل الطيب الحنون الكريم، المرشد بالمشورة والنصح، الداعي والداعم بالخير، هكذا هي مشيئة الله تغيب عنا الأعزة الكرام من فقدهم يحزن، وذكرهم يؤلم، و لكن ما باليد حيلة إلا الدعاء المستمر له.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights