إِمَّعَةٌ ولكنْ…

د. رضية بنت سليمان الحبسية
إنّ الهدفَ من هذه المقالة، هو تسليط الضوء على ظاهرة مجتمعيّة مهمة، ألا وهي فُقدان الهُوِيَّة لدى كثير من الناس. والتي تظهر لنا جليّا في تكرار وتداول كل ما يصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي دون تَدَبُّر. فإذا كان ما يتم تداوله إيجابيّا، ويحمل فكرًا وإضافةً، فالأمر لا غُبَار عليه. أما إنْ كان وفق ما نلاحظه مؤخرًا في نسخ ولصق وإعادة توجيه آراء وتصريحات، تُعَبّر عن آراءِ أُناس بعينهم دون تمحيص، فهذا أمرٌ فيه الْتِبَاس. وقد يشكل ذلك السلوك خطورة على المجتمع على المدى البعيد؛ نظرًا للتباين الطبيعي بين المتلقين للموضوع: فهمُا، وعيّا، ثقافةً، وتقييمًا.
إنّ أقل ما يمكن أن يُوصف به ذلك الواقع، وفق المثل العُماني الدارج: “ربيع من خطف”، وباللغة العربية الفُصْحى بما يُشير إلى لفظة “إمَّعَة”. فيُقال رَجُلٌ إِمَّعٌ أَو إِمَّعَةٌ: وهو الْمُتَرَدِّدُ الَّذِي لا يَثْبُتُ على رَأيٍ، وَيُوافِقُ كُلَّ واحِدٍ على رَأْيِهِ. (معجم المعاني الجامع). وحقيقة الأمر، فإنّه لا يخفى على كَيِّسٌ فُطِنٌ، تأثير سحر الكلمات والتعابير، خاصة على غير الراشدين. فتجد الحَمِيَّة القَوْمِيّة مُتصدرة الموقف: سواء لنصرة فكرة، أو دين، أو قضية مجتمعية، فتعمى القلوب التي في الصدور. والنتيجة الحتميّة، حتمًا مُدركة كيف ستكون على مر السنين.
إنّه لمن الخطورة المضاعفة، أنْ ينحى منحى ذلك الفعل، فئات عمرية واعية ومتعلمة. فيصطدم النقاش بين مؤيد ومعارض وعبر عوالم افتراضية. فتبدأ الأطراف بإطلاق سهام الدفاع، كلٌ بما أُوتي من مهارة الإقناع، وقوة الألفاظ. وفعليّا، ليست النُّصْرَة لأصحاب المنطق والعقلانية دائما. فإما أنْ ينسحب صاحب الفكر من معركة خاسرة، أو ينأى بفكره بعيدًا عن عراك لا طائل منه، وبذلك تنصهر الحكمة والرّشاد وسط زحام الأغلبية.
لكل زمان أدواته. والحاصل، أنّ التّقانة أدوات العصر الحالي، فبقدر ما تُحققه من مزايا تعليميّة، صحيّة، واجتماعيّة. إلّا انّ سوء استخدامها، يُؤثر سلبًا على ذات المجالات نفسها. فإن لم يتم تدارك الانزلاق في غيابة الجُبّ، ومحاربة الفتن، فستكون النتائج وخيمة، أقلها ستتمثل في طمس الحقائق، ضياع الحقوق، وسيطرة اللوبيات، سواء أكانت بمحركات داخلية أو خارجية.
عليه، فإنّ لكل ذي سُلطة ومسؤولية، السعيّ الحثيث للتعامل الجاد مع تلك التّحديات على مستوى الأُسر والمجتمعات؛ لتقليل الآثار السلبية الناجمة عن الانغماس غير المسبوق في تفعيل واستخدام التقانة، التي باتت ميّسرة بين أيدي الطفولة قبل الكُهُولة. فمع قلة الوعي والاندفاع الشخصيّ، يحدث ما لا يُحمد عقباه من تفكك الروابط وتجميد أواصر التّواصل ، وخلخلة لُحْمَة الأوطان. نعم للتكنولوجيا والعولمة، ولكن بما يُسهم في تقدم الأمم ورقيها، فلا ضرر ولا ضرار.



