الأربعاء: 11 مارس 2026م - العدد رقم 2851
مقالات صحفية

بريق القلم ونبض الحرف

 ماجد بن محمد بن ناصر الوهيبي

الكتابة ليست إحساسًا عميقًا وكلمات عابرة تكتب فحسب؛ بل ارتباطًا وثيقًا بكل حرف ينضح به الفكر تتكون منه الكلمة وتترجمه العبارة فتبرزه الفقرة، ولكل كاتب مفرداته وأسلوبه ومنهجه الذي اعتمده وتاريخه الذي شق طريقه منه منذ الوهلة الأولى.

الكتابة هي العشق الدفين القابع في وجدان الكاتب، وهي الحُب الخالد الذي يتنفس به الكاتب مع كل نفسٍ خارج وصاعد؛ فهناك من يكتب بالفطرة وهناك من يكتب للشهرة، وشتان بينهما شتان.

فالأول يكتب إيمانًا وحبًا وإخلاصًا في الكتابة؛ وهذه موهبة دائمة وعطاء متجددٌ بلا حدود، والآخر يكتب لغاية مادية بحتة سرعان ما ينقضي وطرها؛ وهو أشبه بالشعلة التي سرعان ماتخبو وتُنسى فينطوي ذكرها كأن لم تكن شيئًا في يوم من الأيام، والأمر مرهونٌ بالنوايا، والكاتب الأصيل لا ينضب عطاؤه ويتبين لك قلمه باستمراريته.

ولكل كاتب طريقته التي يعبر بها، وفلسفته في الكتابة التي لا نظير لها؛ فبعض الكُتاب تستطيع أن تميزهم حينما تقرأ لهم من أسلوبهم الفريد، وإن سلك بقلمه أسلوبًا مغايرًا وجديدًا يبقى بريق نفس القلم ونبض الحرف دالًا عليه.

والكاتب الحُر لا يمكن أن يثبطه مثبط أو يثنيه عابث أو حاقد عن هدفه الأسمى وغايته المُثلى، وقد مهد ذلك بنفسه منذ نعومة أظافره حتى ضرب بجذوره في عالم الكتابة ورسخ قدميه في رياض الأدب.

وفتح المواهب فيض من الله الواهب على من سعى للخير

وصمد كالجبال الرواسي من أجل قول الحق فلا يبالي بالعواقب، فهناك من يفعل ما يملي عليه الضمير ليعيش نقي السريرة مهما كان المصير.

يقول أحدهم؛ “أتاني من لا يحسن البلاغة والفصاحة وعرض علي كلمة أو اسمًا يريد أن يبدلهما وفق ما أملى عليه عقله”، فتبسمت وقلت له: “هذا لا يجوز في اللغة العربية”، فقال: “له حاول”، فقال المسؤول : “حتى لو كان سيبويه بيننا لما استطاع فعل شيء، وذلك ليس لعدم مقدرته لا، ولكن هذا لا يجوز في عُرف اللغة العربية وقواعدها”، ثم سمع بعد ذلك عنه أنه ألف كُتباً وشق طريقه في عالم الكتابة وقد صُدم المسؤول بهذا؛ وقال في نفسه لو لم يأتِ لعرض تلك المسألة لكان من السهل أن أصدق!

وهذا ليس استحقارًا لشخصه؛ لأنه لو سعى لكان بإمكانه التعلم، ولكن تعدد طرق الكسب السريع تجعل من بعضهم ينسبون لأنفسهم ما ليس لهم؛ كحال بعض الأثرياء يشترون من الشعراء قصائدهم وينسبونها لأنفسهم لأجل هوس الشهرة!

والغريب في الأمر؛ هي الدوافع التي جعلته يسلك هذا المسلك، وهو حُب المنافسة. وما المانع من ذلك إذا كانت بطرقٍ مشروعة وبموهبة متأصلة في نفس الكاتب أو الشاعر؟!

لذلك؛ يقال “من ليس له ماضٍ وأساس في أصل الفعل؛ فليس له حاضر يرتكز عليه ويستند، ومن ليس له حاضر؛ فكيف يبني عليه مستقبلة”، وتبقى هي عبارة متداولة وجدنا مناسبتها هنا موافقة لهذا الطرح.

وخلاصة الطرح، أن العلم وصنوف الأدب لا يمكن للأديب الأصيل أن يتخذهما لمباراة العلماء ومماراة السفهاء أو طرقًا للكسب السريع؛ وإنما رسالة يحملها الكاتب ويبقى أثرها بما تركه من علمٍ تنتفع به الأجيال، والكاتب الحقُ تكشف عنه هويته وتُظهرهُ شخصيته، لا مراء في ذلك ولا جدال.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights