فنجان قهوة أم نمط حياة؟
بدرية بنت حمد السيابية
شهدت السنوات الأخيرة انتشارًا واسعًا وملفتًا للكافيهات والمقاهي العصرية في مختلف المدن العربية، حتى أصبحت جزءًا من المشهد اليومي المعتاد، ومكانًا يقصده الناس بمختلف أعمارهم واهتماماتهم.
فلم تعد المقاهي مجرد أماكن لاحتساء القهوة كما كانت في الماضي، بل تحولت إلى ظاهرة اجتماعية وثقافية واقتصادية تعكس تغير أنماط الحياة، وتكشف عن التحولات الفكرية والسلوكية التي يعيشها المجتمع الحديث.
لقد أصبح للكافيهات حضور بارز في حياة الكثيرين؛ فهناك من يقصدها للراحة بعد يوم عمل طويل، وهناك من يجد فيها بيئة مناسبة للدراسة أو إنجاز الأعمال، فيما يراها آخرون مساحة للقاء الأصدقاء والتخفيف من ضغوط الحياة اليومية.
كما أسهمت هذه المقاهي في تنشيط الحركة الاقتصادية، وفتحت أبوابًا واسعة للاستثمار والعمل الحر، ووفرت فرصًا وظيفية لفئة كبيرة من الشباب.
ومن الإنصاف القول إن لهذه الظاهرة جوانب إيجابية لا يمكن إنكارها؛ فقد ساعدت على إيجاد أماكن حضارية تجمع الناس في بيئة مريحة، وأسهمت في دعم المشاريع الشبابية، بل أصبحت بعض الكافيهات تحتضن فعاليات ثقافية وأدبية وفنية تثري الساحة الثقافية وتعزز الوعي المجتمعي.
لكن، وكما أن لكل ظاهرة وجهًا مضيئًا، فإن لها جانبًا آخر يستحق التأمل والوقوف عنده بوعي وهدوء.
ومن أكثر الفئات تأثرًا بهذه الظاهرة فئة الشباب والمراهقين، إذ أصبحت الكافيهات بالنسبة لبعضهم جزءًا من الروتين اليومي، بل ومظهرًا اجتماعيًا يرتبط بالوجاهة والتقليد ومجاراة الآخرين. ومع التأثير الكبير لوسائل التواصل الاجتماعي، بات بعض الشباب يقيس جودة يومه أو مكانته الاجتماعية بعدد الصور التي يلتقطها في تلك الأماكن، أو بنوعية المشروبات التي يتناولها، حتى تحولت بعض الزيارات من وسيلة للترفيه إلى نوع من الاستعراض الاجتماعي غير المباشر.
كما أن المراهقين يتأثرون بسهولة بثقافة التقليد، فينجذب بعضهم إلى المظاهر دون إدراك للنتائج المترتبة على ذلك من النواحي المادية أو الصحية أو السلوكية. فالسهر لساعات طويلة خارج المنزل قد ينعكس على التحصيل الدراسي، ويؤثر في تنظيم الوقت والانضباط الشخصي.
أما الموظفون والعاملون، فقد أصبحت الكافيهات بالنسبة للكثير منهم متنفسًا للهروب من ضغوط العمل والحياة. وهذا في حد ذاته ليس أمرًا سلبيًا، فالإنسان بحاجة إلى الترفيه وتجديد طاقته النفسية، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الأمر إلى عادة يومية تستنزف المال والوقت، أو عندما تصبح الكافيهات بديلًا دائمًا عن الجلسات الأسرية واللقاءات العائلية.
ومن الجوانب اللافتة أيضًا تأثير هذه الظاهرة على الأطفال بصورة غير مباشرة؛ فالطفل الذي ينشأ في بيئة ترى الخروج المتكرر إلى الكافيهات أسلوب حياة قد يعتاد مبكرًا على الأنماط الاستهلاكية والمبالغة في الإنفاق، ويرتبط بالمشروبات الجاهزة والسكريات والكافيين بصورة تفوق حاجته الطبيعية.
كما أن الجانب الاقتصادي يستحق التأمل؛ فكثير من الناس قد لا يشعر بحجم المبالغ التي ينفقها يوميًا على المشروبات والطلبات الجانبية، لكن الصورة تختلف عند جمع تلك المصروفات على مدار شهر أو عام كامل. وقد أصبح بعض الأفراد ينفقون جزءًا معتبرًا من دخلهم على أمور كمالية كان بالإمكان توجيهها إلى أولويات أكثر أهمية.
أما من الناحية الصحية، فإن الإفراط في تناول القهوة والمشروبات الغنية بالكافيين قد يؤدي إلى الأرق واضطرابات النوم وتسارع ضربات القلب والتوتر العصبي، خاصة مع انتشار أنواع جديدة تحتوي على نسب مرتفعة من المنبهات والسكريات.
وأذكر أنني ذات مرة تناولت أحد أنواع القهوة ذات المذاق الغريب، وبعد فترة قصيرة شعرت بخفقان شديد في القلب، ولم أستطع النوم طوال تلك الليلة، فضحكت بيني وبين نفسي وقلت: يبدو أن هذه القهوة لم تُخلق لي، فهي تناسب غيري أكثر مما تناسبني.
ومن الملاحظ أيضًا بعض السلوكيات التي ترافق أحيانًا ثقافة المقاهي، مثل الانشغال المفرط بالتصوير والتوثيق، أو قضاء ساعات طويلة في المكان هربًا من الفراغ أو الضغوط النفسية، حتى أصبحت بعض الكافيهات عند البعض وسيلة للهروب من الواقع بدلًا من مواجهته.
ومع ذلك، لا ينبغي النظر إلى الكافيهات نظرة تشاؤمية مطلقة؛ فهي في النهاية وسيلة، والوسائل تبقى رهينة بطريقة استخدام الإنسان لها. فقد تكون مكانًا جميلًا يجمع الأصدقاء، ويحتضن الأفكار والمواهب، ويوفر الراحة النفسية، وقد تتحول في المقابل إلى عادة استهلاكية تستنزف الوقت والمال والصحة إذا غاب الوعي وحضر الإفراط.
إن المشكلة الحقيقية ليست في القهوة ولا في الكافيهات ذاتها، بل في غياب التوازن. فالحياة لا تُقاس بعدد الزيارات، ولا بأسماء المشروبات، وإنما بقدرة الإنسان على إدارة وقته وماله وصحته وعلاقاته بصورة واعية ومتزنة.
وفي النهاية، تبقى ظاهرة الكافيهات سلاحًا ذا حدين؛ فقد تحمل جوانب مشرقة تعزز التواصل الاجتماعي، وتدعم الاقتصاد والمشاريع الشبابية، وقد تتحول إلى عبء نفسي ومادي وسلوكي إذا غاب الاعتدال.
لذلك تظل الحاجة قائمة إلى ترسيخ ثقافة التوازن، حتى نستفيد من إيجابيات العصر دون أن نفقد قيمنا أو صحتنا أو بساطة حياتنا الجميلة. فليس المهم عدد فناجين القهوة التي نشربها، بل مقدار الوعي الذي نرتشفه معها.



