الأحد: 08 مارس 2026م - العدد رقم 2848
مقالات صحفية

التعليم الإلكتروني من حل طارئ إلى استراتيجية مستقبلية

رويدة مفيد العبدالله

لم يكن الانتقال للتعليم الإلكتروني مجرد تغيير عابر، بل كان بمثابة ثورة رقمية أعادت رسم ملامح الفصول الدراسية في كل مكان، ولقد تسارع الزمن لتجتاز المؤسسات التعليمية فجوة تقنية هائلة في وقت قياسي. وما بدأ كحل لمواجهة أزمة، انتهى بفتح حوار عالمي عميق حول جوهر التعليم ومستقبله. نحن اليوم أمام مشهد تعليمي جديد كليًا، يتطور بسرعة مذهلة ليواكب فرص وتحديات العصر.

عالميًا، تشير بيانات منظمة الأمم المتحدة «اليونسكو» إلى أن إغلاق المؤسسات التعليمية في ذروة الجائحة أثّر على تعلّم ما يقرب من 1.6 مليار طالب وطالبة، أي أكثر من 90% من إجمالي الطلاب المسجلين في أنحاء العالم. هذا الرقم الفلكي لا يمثل مجرد إحصائية، بل يمثل لحظة تاريخية اضطرت فيها الأنظمة التعليمية، بغض النظر عن درجة تقدمها التكنولوجي، إلى البحث عن بدائل فورية. فالسوق العالمي للتعليم الإلكتروني، الذي كان ينمو بشكل متزن رغم تواضعه، شهد تسارعًا غير مسبوق. هذا النمو لا يقتصر على منصات التعليم فحسب، بل يمتد ليشمل سوق البرمجيات التعليمية، وأدوات المؤتمرات المرئية، وأنظمة إدارة التعلم، والتطبيقات القائمة على الذكاء الاصطناعي للتعلم التكيفي.

على الصعيد المحلي في سلطنة عمان، جاء الاهتمام بالتعليم الإلكتروني متوافقًا مع الرؤية الوطنية الطموحة «رؤية عمان 2040»، والتي وضعت الإنسان والتعليم في صلب أولوياتها. وقد رأت السلطنة في الأزمة العالمية فرصة لتسريع الخطط الرقمية الطموحة في القطاع التعليمي. خلال الجائحة، أطلقت وزارة التربية والتعليم منصة للتعلم عن بُعد، والتي تحولت بسرعة إلى الفصل الدراسي الوطني البديل. وقد بلغ عدد المستخدمين المسجلين على المنصة أكثر من 560 ألف طالب وطالبة، إلى جانب عشرات الآلاف من المعلمين والإداريين وأولياء الأمور، وفقًا للإحصائيات الرسمية للوزارة.

وفي قطاع التعليم العالي، كانت جامعة السلطان قابوس، الجامعة الأم في السلطنة، سبّاقة في تبنّي أنظمة التعلم الإلكتروني قبل الجائحة بسنوات عبر نظام إدارة التعلم. ومع الأزمة، تم تعزيز هذا النظام ودمجه مع أدوات مثل «مايكروسوفت تيمز» لإنشاء نموذج تعلم مدمج فعّال. كما أظهرت الكليات والجامعات الخاصة مرونة ملحوظة في التحول، حيث قامت العديد منها بتطوير برامجها لتقديم المحاضرات العملية والنظرية عبر الإنترنت، مستخدمة محاكاة افتراضية للمختبرات في بعض التخصصات العلمية.

رغم النجاحات الكبيرة، فإن التعليم الإلكتروني في عمان والعالم لا يزال أمامه مسار طويل من التطوير. فالانتقال من مرحلة الطوارئ إلى مرحلة الجودة والاستدامة يتطلب معالجة عدد من التحديات الجوهرية. أولًا، هناك تحدي ضمان جودة المخرجات التعليمية وموثوقية أنظمة التقييم والامتحانات عن بُعد. ثانيًا، هناك تحدي العزلة الاجتماعية والحرمان من تجربة الحياة الجامعية الغنية بالتفاعلات الإنسانية والتطوعية والأنشطة اللامنهجية التي تشكّل شخصية الطالب بقدر ما يشكّلها المنهج الأكاديمي. ثالثًا، يواجه المعلمون وأعضاء هيئة التدريس ضغوطًا كبيرة لتطوير مهاراتهم الرقمية، ليس فقط في تشغيل البرامج، بل في تصميم محتوى تفاعلي جذاب، وإدارة الفصول الافتراضية بفعالية.

بالنظر إلى الأفق، يبدو واضحًا أن مستقبل التعليم لن يكون رقميًا خالصًا، ولن يعود تقليديًا خالصًا. النموذج المهيمن سيكون الهجين الذكي الذي يجمع بحكمة بين مزايا كل وسيط. في هذا النموذج، ستُستخدم القاعات الدراسية للأنشطة التي تتطلب تفاعلًا بشريًا عميقًا، مثل المناقشات المعقدة، والمختبرات العملية، والعمل الجماعي، والتوجيه والإرشاد. بينما سيُوكل للفضاء الرقمي مهمة تقديم المحتوى النظري، والمحاضرات المسجلة، والتدريبات التكرارية، والموارد الإضافية، مما يمنح الطالب مرونة التحكم في وقت ومكان تعلّمه.

وستلعب تقنيات مثل الذكاء الاصطناعي دور المحفّز الشخصي للطالب، حيث ستقوم أنظمة التعلم التكيفي بتحليل أداء الطالب وتقديم مسارات تعلم مخصصة له، وتحديد نقاط ضعفه لتقويتها، واقتراح موارد إضافية تناسب سرعة تعلمه. كما ستفتح تقنيات الواقع الافتراضي والواقع المعزز آفاقًا جديدة للتعلم التجريبي.

في سلطنة عمان، يمكن تصور مستقبل يقوم على عدة دعائم: أولًا، دعم وتوسيع نطاق البحث العلمي المحلي في مجال تكنولوجيا التعليم وتأثيرها على التحصيل الدراسي. ثانيًا، تطوير محتوى تعليمي رقمي عربي أصيل وعالي الجودة، يحمل الهوية العمانية ويعكس احتياجات سوق العمل المحلي. ثالثًا، بناء شراكات استراتيجية مع المؤسسات والمنصات التعليمية العالمية الرائدة، لا للاستهلاك فقط، بل للإنتاج المشترك ونقل المعرفة.

في النهاية، يذكرنا هذا التحول الكبير بأن جوهر التعليم هو إشعال شعلة الفضول، وتنمية القدرة على التفكير النقدي، وبناء الشخصية المتكاملة، وإعداد الإنسان للإسهام في بناء مجتمعه. ما يتغير هو الوسائل والأدوات والقنوات التي نحقق من خلالها هذا الجوهر، ولقد أصبح التعليم الإلكتروني واقعًا حتميًا ومكونًا أساسيًا في مشهد التعليم الحديث. إن التحدي الحقيقي أمام عمان والمنطقة والعالم ليس في مدى سرعة تبنّي أحدث التقنيات، بل في مدى حكمتنا في دمجها ضمن رؤية تربوية إنسانية شاملة، تضمن ألا يتغلب الجانب التقني على البعد الإنساني المرتبط بالعادات والتقاليد، بل تمكّن التكنولوجيا من توسيع دائرة المعرفة لا تضييقها، وتعني تعميق الفهم لا تسطيحه، وتعني في النهاية بناء إنسان المستقبل القادر على الابتكار والمنافسة، مع التمسك بقيمه وهويته وروحه الإنسانية الأصيلة

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights