الخميس: 12 مارس 2026م - العدد رقم 2852
مقالات صحفية

العامرات… فاجعة إنسانية أم منصة للنجومية الزائفة؟

حمدان بن هاشل العدوي
عضو الجمعية العمانية للكتاب والأدباء

لنُسمّ الأمور بأسمائها: ما حدث في العامرات فاجعة مؤلمة، وقلوب الجميع موجوعة، لكن الألم لا يُبرّر الفوضى، ولا يمنح أحدًا حق المتاجرة بالمأساة لتحقيق مكاسب إعلاميّة آنيّة… نحن لا نعيش في المدينة الفاضلة، نعم، لكننا أيضًا لا نعيش في غابة تُباح فيها الفتوى والتحقيق والقضاء لكل من فتح حسابًا وقرر أن يتصدر المشهد.

القدر نافذ، “ولو اجتمعت الأمة على أن ينفعوك بشيء لن ينفعوك إلا بما كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لن يضروك إلا بما كتبه الله عليك، رُفعت الأقلام وجفّت الصحف”؛ ومع ذلك، اختار البعض تجاهل هذه الحقيقة البديهية، واندفعوا يستثمرون في الألم البشري عبر محتوى مثير، يُباع على منصات التواصل كسلعة لمن يبحث عن الضوء ولو على حساب الجراح.

خرجت أصوات، تعرف نفسها جيدًا، جعلت من حادثة العامرات سلّمًا للظهور الإعلامي… يتضح أنه لا يعنيهم التحقيق ولا نتائجه، ولا يهمهم الواقع ولا الجهود الميدانية، المهم أن يعلو صوتهم، وتزداد مشاهداتهم، حتى لو كان المقابل بثّ الهلع، وإضعاف الثقة المجتمعية، وتشويه صورة العمل الحكومي الذي يبذل جهدًا كبيرًا لتحسين حياة الناس.

نعم، هناك سلبيات، ولا أحد ينكرها، لكن من الظلم تجاهل الإيجابيات والإنجازات، فطمس الجهود ليس نقدًا… بل استغلال فاضح، ومن جعلوا أنفسهم “حماة الحقيقة” على منصات التواصل لا يرون إلا ما يخدم أجندة الظهور، ويتجاهلون حقيقة أن القضية ما تزال قيد التحقيق، وأن إطلاق الأحكام دون بيّنة ليس إلا تضليلًا مغلّفًا بادّعاء المعرفة.

والمؤسف أكثر أن هذه الضجة افتعلت في يوم وطني يُفترض أن يكون مساحة للوحدة والاعتزاز والانتماء، هذه الضجة لا يجب أن تكون في يوم وطني، ولا يليق أن يتحول يوم الاحتفاء بالبلد إلى منصة للتهويل والمتاجرة بالأحداث.

وحتى نكون منصفين بحق، دعونا لا نُحمّل الحكومة كل ما حصل، فالمسؤولية المجتمعية لا تقل أهمية. الكثير مما يجري تداوله يزعم أن حالات الوفاة لم تُكتشف إلا بعد ثلاثة أيام، إذاً… أين كان الجيران؟ أليس الجار أولى أن يسأل ويتفقد جاره؟ أين الذين قالوا إنهم يعرفون “القصة كاملة”؟ لماذا لم يقفوا مع الأسرة؟ لماذا لم يجتمعوا في المسجد الذي يصلون فيه جميعًا ويبحثوا عن حل أو دعم؟ أليس الجار مسؤولًا عن جاره؟ أليس ديننا الحنيف قد أمرنا بالسؤال عن الجار والعناية به؟

ثم أين صلة الرحم؟ هذه الحادثة كشفت أن روابط المجتمع بدأت تضعف، وأن القربى التي كانت يومًا ما درعًا لأبنائها بدأت تتلاشى. لماذا نُبرئ أنفسنا تمامًا ونُلقي بالحِمل كله على الحكومة؟ أليس في هذا هروب من الحقيقة؟ التقصير المجتمعي موجود، والصمت عنه لا يصنع وعيًا.

إن الأحكام المسبقة ليست دليلًا، والضجيج لا يصنع حقيقة، ومن يحاولون نسف الثقة بجهات الاختصاص من أجل لحظة نجومية زائفة، سيجدون قريبًا أن من صفق لهم اليوم سيتركهم عندما تتكشف الحقائق، وأن الضجيج لا يبني مصداقية.

الوطن ليس منصة للظهور اللحظي، ولا ساحة للمزايدات، ومن يلعب على جراح الناس سيواجه الحقيقة يومًا… بلا جمهور.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights