الثلاثاء: 10 مارس 2026م - العدد رقم 2850
مقالات صحفية

محمد اليحيائي بين وهج الشاشة وحبر الصحافة

    محمد بن علي الوهيبي

يطلّ الإعلامي والروائي الدكتور محمد اليحيائي عبر شاشة “تلفزيون العربي” كمن يشعل مصباحًا في عتمة الزحام، حاملاً برنامجه “وجوه من الخليج”، ليكشف لنا عن ملامح لشخصيات أثرت المشهد الخليجي بصوتها وفكرها وحضورها.

  يفتح اليحيائي نوافذ على أرواح صنعت الفرق، وساهمت في تشكيل الوعي في خليجٍ يتغيّر ويضيء.

هو ابن التعب الجميل في مهنة البحث عن المتاعب، ومثقف نقش اسمه بثبات في ذاكرة الإعلام والمشهد الثقافي.

وما هو عليه اليوم هو ثمرة مسيرة حافلة بالنجاحات التي مهدت لهذا الحضور اللافت منذ البدايات عبر تحقيقاته الإعلامية وصفحاته الثقافية في مجلة النهضة واستضافته للعديد من المفكرين والإعلاميين والكتاب والفنانين من سلطنة عُمان ومن دول الخليج وبعض الدول العربية عبر تلك الصفحات من بدايات الثمانينات إلى إشرافه على ملحق عُمان الثقافي في جريدة عُمان في التسعينات، الذي لم يكن مجرد ملحق عابر، حيث اشتغل اليحيائي على تطويره وافساح المجال لظهور وجوه وأسماء جديدة في الشعر والقصة ومنح الثقافة مساحة بارزة وفرض نفسه كمنصة تُتابَع باهتمام داخل سلطنة عُمان وخارجها ثم واصل حضوره عبر التلفزيون العُماني، من خلال برنامجه “أوراق ثقافية” الذي شكّل آنذاك أول نافذة تلفزيونية عمانية مختصة تُعنى بالشأن الثقافي وتقدّمه إلى جمهور أوسع بشغف ومهنية.

ثم غادر بعدها إلى إنجلترا، حاملاً حلمه ليصقله علمًا، فحصل على شهادة الماجستير في الاتصال الجماهيري، وعاد بعدها إلى الوطن محمّلًا بخبرة ومعرفة أعمق، ليغادر مرة أخرى، وهذه المرة إلى الولايات المتحدة الأمريكية، حيث التحق بقناة “الحرة”، وقدم برنامجًا جماهيريًا ناجحًا هو “عين على الديمقراطية”، والذي حظي بمتابعة واسعة في مختلف أنحاء العالم العربي، استمر في تقديم ذلك البرنامج قرابة عشر سنوات، عاد بعدها إلى أرض الوطن محمّلًا بتجارب إعلامية ثرية، ليخوض بعدها تحديًا أكاديميًا جديدًا، حيث التحق بجامعة السلطان قابوس باحثًا في رحاب العلم، ليكرّس أربع سنوات من عمره في رحلة علمية معمقة. لم تكن مجرد دراسة دكتوراة، بل كانت مغامرة فكرية نبش فيها أعماق التاريخ العُماني، ليُتوّج جهده المستمر برسالة علمية مميزة تناولت موضوعًا بالغ الأهمية “نظام الحكم في عُمان من إمامة الانتخاب إلى السلطنة الوراثية”، دراسة كشفت عن عمق تحليله ورصانة منهجه، فاستحق بها شهادة الدكتوراة بجدارة واستحقاق.

عرفتُ محمد اليحيائي في منتصف ثمانينيات القرن الماضي، كنا شابين نحمل الحلم في حقائب العمر الأولى، نلتقي بين صفحات مجلة “النهضة” وهناك بدأت حكاية صداقةٍ نسجتها المودة وضمّختها الأيام بعبق الوفاء.

على امتداد أربعة عقود، تقاسمنا الحلم، ومررنا بتقلبات الحياة وتحوّلات المشهد الثقافي والسياسي، ربطتنا المعرفة وجمعنا الولاء للكلمة، فكان بيننا ذلك الخيط الخفي من النُبل، لا تقطعه المسافات، ولا تهزّه رياح التغيير.

في تلك البدايات حين شدّ الرحال من بركاء إلى مسقط اختار غرفة صغيرة في صناعية الوادي الكبير، بالكاد تتّسع لكتبه وحُلمه، لكنها كانت تفيض بعالمٍ من المعرفة.

 كان يتشارك المكان مع “قرقعة” الورش المجاورة ورائحة الزيوت وهدير المحركات، لكن كل ذلك كان يتلاشى عند عتبة غرفته، ليُفسح المجال لرفيف الصفحات، وصوت القراءة العميقة.

كلما زرته وجدته غارقًا في كتاب، ملامحه منسجمة مع السطور كأنها مكتوبة من داخله لا يكل ولا يمل، وكيف يمل من وهب قلبه للكتب؟!

ليس سهلاً أن تقبض على جمر الحلم أربعين عامًا دون أن تحترق، وأن تحوّل كل عثرة إلى درجة في سُلّمٍ طويل نحو رؤيا تسكنك، لكن محمد اليحيائي فعلها، بثبات وهدوء من يعرف جيدًا إلى أين يمضي.

صوته الهادئ الذي كنا نسمعه بين السطور، صار صورةً وصدى، في فضاءٍ أرحب.

لم يصل اليحيائي إلى مجده صدفة، بل سار إليه بِخُطى من صبر ونَفَسٍ طويل، آمن أن المعرفة لا تخذل من يهبها الإخلاص.

   كتب محمد اليحيائي اسمه عبر تجربة صلبة وحكاية لا تُروى إلا بإعجاب.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights