الأربعاء: 11 مارس 2026م - العدد رقم 2851
مقالات صحفية

فلسفة القرآن بين الخوف والقلق

  صالح بن ناصر المحروقي

الخوف والقلق هما من المشاعر التي تكاد أن تلازم الإنسان على مدار حياته، وهما يقتربان من نبض القلب في أوقات الشدة والفراغ معاً، ويُغيِّران طريقة النظر إلى الغد، ويحددان مقدار السكينة التي يحملها المرء في داخله، ويأتي الخطاب القرآني ليخاطب هذه المشاعر بصدق، فيسمّيها بأسمائها، ويعيد ترتيبها، ويمنحها مخرجاً واضحاً لا يُهمل الواقع النفسي ولا يتغافل عن حقيقة الإيمان.

يفترق الخوف عن القلق من حيث الجذر الذي يقوم عليه الشعور، إذ ينشأ الخوف من خطرٍ محدد يمكن الإشارة إليه باليد والاسم، كمرضٍ معلوم، أو عدوٍّ حاضر، أو امتحانٍ مقبل، فيتأهّب الجسد، وتستعد النفس لمواجهة أمرٍ ظاهر المعالم، ثم يخف الضغط بزوال السبب أو انقضاء الحادثة، بينما يتكوّن القلق في أفقٍ ضبابي، يتغذّى من احتمالٍ يتبعه احتمال، ومن صورةٍ غير مكتملة تتبعها أخرى، فيبقى الإنسان بسببها معلقاً بين أشياء يخشاها لكنه لا يراها كاملة، فيطول عليه الانتظار ويتعبه الترقب.

ويعرض القرآن الكريم هذا العالم الداخلي من المشاعر عبر حقلٍ واسع من الألفاظ الدقيقة، من بينها الخوف والرهبة والوجل، ومنها الحزن والهمّ والغمّ وضيق الصدر، ويضع لكل لفظ موضعه المناسب، فالحزن في الغالب يتصل بما وقع في الماضي وترك أثره في النفس، ويتصل الهمّ بثقل اللحظة الراهنة، في حين يتجه الخوف إلى ما يُنتظر من أخطارٍ يمكن تعيينها، ويقترب ضيق الصدر والاضطراب من الصورة التي تعبّر عنها كلمة القلق في لغتنا المعاصرة، أي ذلك الانقباض الذي لا يجد لنفسه سبباً واحداً واضحاً، بل يتغذّى من أسباب كثيرة متفرقة.

وعند التأمل في آيات الأمن والسكينة يظهر أن القرآن الكريم لا يكتفي بوصف الخوف، بل يربطه بجذرٍ إيماني وسلوكي في آنٍ واحد، قال تعالى: “الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون”، فالأمن هنا يرتبط بقلبٍ موحِّد لا يخلط إيمانه بظلم، والظلم هنا عند جمهور المفسرين بمعنى الشرك، فبقدر ما يترسخ توحيد الله في قلب المؤمن تتلاشى عنه مشاعر الخوف، ويترسخ فيه الأمان النفسي.

ويعيد القرآن ترتيب مركز الهيبة في القلب عندما يتعامل الإنسان مع الخوف من الناس والخصوم والسلطات، قال تعالى: “فلا تخشوهم واخشونِ”، وقال: “فلا تخافوهم وخافونِ إن كنتم مؤمنين”، فالقرآن يريد من المؤمن أن تتحول خشيته من المخلوق لتكون خشية من الخالق وحده، وبذلك يتحرر القلب من مخاوفه، ولا تجمد فيه الإرادة للإصلاح، ولا تنطفئ شجاعته في مواجهة الباطل.

وعلى مستوى المخاوف المعيشية يقترب القرآن من أعمق بؤرةٍ تولّد القلق في حياة الناس، فتراه يربط الرزق بالسماء قبل أن يربطه بحسابات الأرض، قال تعالى: “وفي السماء رزقكم وما توعدون”، وقال: “وما من دابةٍ في الأرض إلا على الله رزقها”، ثم تراه يدعو إلى السعي والضرب في الأرض وطلب الحلال، فيتشكل في النفس توازن دقيق، بين العمل الجاد في طلب المعاش، وبين اليقينٌ بأن الأرزاق لا تنفلت من علم الله، فيخفّ هذا التوتر الذي يطارد كثيرين عند كل فاتورة أو تراجعٍ اقتصادي، ويستعيد المرء بذلك شيئاً من هدوئه وهو يبذل جهده ويترك النتيجة على ربِّه.

ويقترب الخطاب القرآني من القلق المتعلق بالمستقبل عبر ترسيم حدود المعرفة البشرية بوضوح، قال تعالى: “وما تدري نفسٌ ماذا تكسب غداً وما تدري نفسٌ بأي أرضٍ تموت” ، وحالما تترسخ هذه القناعة في الإنسان فإنه سيتوقف عن محاولة التحكم بتصاريف القدر، ويكتفي بالتخطيط السليم والأخذ بالأسباب.

واللافت هنا هو أن القرآن الكريم يعرض لتركيب داخلي دقيق يجمع فيه الخوف والقلق في وصفٍ واحد لطبيعة الإنسان، قال تعالى: “إن الإنسان خُلِق هلوعاً، إذا مسّه الشر جزوعاً، وإذا مسّه الخير منوعاً”، فهو هنا يعرض لنا طبعا متجذرا في الإنسان يميل به إلى الجزع عند المصيبة، وإلى الشحّ عند النعمة، لكنه يستثني من هذه القاعدة فئة المصلين والمنفقين، وبذلك يقدم لنا الطريقة العملية لتقويم هذا الطبع، عبر الصلاة التي تربط القلب بربه على مدار اليوم، وعن طريق الإنفاق الذي يكسِر طبع الشح.

ومن الزاوية نفسها يعالج القرآن القلق الناتج عن الأخبار العامة وما تحمله من صور الحروب والأزمات، فيقول تعالى: “قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا”، وقال: “قل هو الرحمن آمنا به وعليه توكلنا”، وبذلك فهو يربط الأحداث بالحكمة الإلهية، مع إبقاء المسؤولية البشرية كاملة في حدود ما يختاره الإنسان ويفعله، فينتقل المرء بهذه الفلسفة من موقع المتفرج المذعور إلى موقع الشاهد العامل.

ويضع الذكر لبنةً مركزية في بناء الطمأنينة، إذ يقول تعالى: “ألا بذكر الله تطمئن القلوب”، وهنا تتجاوز الطمأنينة معنى الراحة العابرة بعد انقضاء الأزمة، لتصبح حالة استقرار عميقة، تتحقق عبر تكرار حضور الله في القلب واللسان والعمل.

وعند الحديث عن الدنيا يرسم القرآن صورةً واسعة تعيد ترتيب مصادر القلق على الخسارة والحرمان، إذ يقول تعالى: “وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد”، ثم يكمّل المشهد بنباتٍ يزدهر ثم يذوي ثم يصبح حطاماً، فينكمش بريق الصورة المادية في العين، ويقترب الإنسان من إدراك أن جزءاً كبيراً من خوفه من الفقد ينشأ من تعظيمٍ مفرط لأشياء كُتب عليها التغيّر والزوال، وأن ما يستحق أن يطمئن له القلب أبعد من هذه الواجهة القصيرة.

وبهذا البناء المتدرِّج يقدِّم القرآن تصوراً متماسكاً لموضع الخوف والقلق في حياة الإنسان، فيحوِّل الخوف إلى وعيٍ بالمخاطر يدفع إلى الحذر والعمل، ويضيِّق مجال القلق عبر الإيمان والذكر والتوكل والنظر الهادئ في المصير، فتتعلم النفس أن تتعامل مع الغيب بطمأنينةٍ تخفّف إرهاق التوقع الدائم، ومع الحاضر ببصيرةٍ تهديها في زحمة الهواجس، ويخرج المؤمن من هذا كله بقلبٍ أقدر على الاحتمال، وعقلٍ أوضح في قراءة الغد، وروحٍ أقرب إلى السكينة التي وعد الله بها عباده المؤمنين.

 

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights