الصداقة من القيم الإنسانية

صالح بن سعيد الحمداني
من بين الروابط الإنسانية هناك رابطة سامية وقيمة من القيم الأخلاقية العظيمة التي عرفها الإنسان منذ القدم ألا وهي الصداقة، تلك الرابطة التي لا تقوم على المظاهر والمصالح الشخصية بل إنها تُبنى بالوفاء والإخلاص والتفاهم والصدق، هي تلك العلاقة التي تجمع الأرواح قبل الأجساد وتُبنى بمبادئ كريمة تقوي أسُسها المتينة بالأخلاق الفاضلة الحميدة من حُسن المعشر والإخلاص والمروءة وتحتاج لصدق المحبة والوفاء في الغياب.
إن الصداقة التي نتحدث عنها ليست تلك التي تُقاس بعدد اللقاءات وتبادل المصالح والصور المشتركة فليس من نضحك معه ويُبادلنا الحديث والضحك والجلوس معا لساعات طويلة يمكن أن نعده صديقًا، ولا من يحاول الصعود على أكتافنا يُعد صديقًا فهناك الكثيرون الذين يخلطون بين الصداقة والرفقة والزمالة بل إن الصديق الحق يُقاس بمدى مواقفه الصادقة وقت الشدائد والغياب ومن يحفظك في لحظات غيابك وتجده بجانبك بنكبتك، وبالخير دائما يذكرك بعد وفاتك.
وقد قيل بحق: “لا يكون الصديق صديقًا حتى يحفظ أخاه في غيبته ونكبته ووفاته”، وهي مقاييس ثلاث تختبر معدن الصداقة وأصالتها، ففي الغياب يظهر الوفاء، وفي النكبة يظهر الإخلاص، وبعد الوفاة يظهر صدق المحبة.
كم من أناس يظهرون الودّ في حضورك لكنهم يغتابونك عند غيابك! وكم من جلسات تُصبح مجالس غيبة ونميمة! أما الصديق الصادق فهو من يدافع عنك في غيابك، ويرفض المشاركة في أي أذى يُقال عنك، لأنه يعتبر كرامتك من كرامته، وغيبتك لا تُسقط عنك الحقوق، بل تُلزم بالوفاء أكثر.
وفي الشدائد تُختبر العلاقات فالأصدقاء في وقت الرخاء كُثر ولكن في ساعة العُسرة يختفي غير الصادقين ويبقى من يُحبك لذاتك لا لمصلحة أو منفعة، الصديق الوفي هو من يشد على يدك ويواسيك ويذكّرك بالله ويقاسمك همّك قبل فرحك لا من يلومك أو يختبئ خلف الأعذار.
ويأتي الوفاء الحقيقي في أسمى صوره بعد الوفاة حين لا يرجى من الميت نفع دنيوي ولا يُنتظر منه جزاء أو شكور، هنا يُقاس صدق العلاقة، من يذكرك في دعائه ويصل رحمك ويترحم عليك في المجالس ويكمل طريق الخير الذي بدأتَه ذلك هو الصديق الصدوق الذي يستحق اسم الوفاء.
الصداقة في جوهرها تقوم على الإخلاص والنصح والستر والمؤازرة، ولا يليق أن نُطلق هذا الاسم النبيل على كل من نلتقيه أو نشاركه وقتًا عابرًا قال الإمام الشافعي “سلامٌ على الدنيا إذا لم يكن بها صديقٌ صدوقٌ صادق الوعد منصفا”، فالأصحاب كثير لكن الأوفياء قلة.
ومن المواقف الواقعية التي تُجسد هذا المعنى قصة مجموعة من الزملاء جمعتهم المهنة والحياة نشأت بينهم علاقة أخوية صادقة خلت من المصالح، ودامت رغم التقاعد والفُرقة بل وازدادت متانة بمرور الزمن بعضهم رحل إلى جوار ربه ولكن الباقين لم ينسوهم، فكان الدعاء والوفاء حاضرًا واستمرت الزيارة والتواصل في مشهد نادر من الإخلاص الصافي.
هكذا تكون الأخوة حين تتجذّر في القلوب لا تهزها السنون ولا تُغيرها المسافات لأنها بُنيت على صدق ووفاء، الصداقة الحقيقية لا تموت بموت الجسد بل تبقى في الذاكرة والدعاء والعمل الصالح.
في النهاية نقول ليست الصداقة مجرد لحظات أو كلمات بل ميزان للأخلاق وميدان يُظهر فيه الأوفياء صدقهم، فلنحرص على أن نكون أوفياء في غياب إخواننا وعونًا في نكباتهم وذاكرين لهم بالخير بعد وفاتهم فهكذا نكون كما يجب لا كما يُقال.



