مقالات صحفية

بين الحُلْم والطُّموح ..

   سليمة بنت نصيب المسعودية

بين الحُلْمِ والطُّموحِ يقفُ تَميم، كغُصنٍ أخضرَ تُداعبُه ريحانِ؛ ريحٌ تحملُ إليه هتافاتِ الملاعب، وأخرى تُهدهدُ في أذنه إنه من أسماءَ الأطباء في وطنه .

يقفُ تميم على مفترقِ طريقين، كلاهما يفضي إلى المجد، وكلاهما يرفعُ اسمَ عُمان عاليًا في سماءِ الفخر.

يحلمُ تميم أن يرتدي قميصَ منتخب عُمان الوطني لكرة القدم، وأن يقفَ شامخًا في أرضِ الملعب، والنشيدُ الوطنيُّ يتردّدُ في قلبه قبل أن يتردّدَ في المدرّجات.

يحلمُ أن تلمعَ صورتُه في الشاشات، وأن تتعالى باسمه الهتافات، وأن يكون نجمًا يركضُ خلفَ الكرة، فتجري معه أحلامُ الطفولة البريئة .. لكنَّ في داخله طموحًا آخر، أكثر هدوءًا، وأعمق أثرًا، طموحٌ لا تُشعلُه أضواءُ الملاعب، بل تُنيره مصابيحُ العلم.

طموحٌ أن يحملَ شهادةَ الدكتوراه، وأن يكون طبيبًا مبدعًا، يداوي القلوبَ كما يداوي الأجساد، ويضعُ اسمَ وطنه في مصافِّ المتميزين في ميدانِ الطبِّ والمعرفة.

وحين أسأله: لِمَ هذا الطموح؟

أجدُ في عينيه جوابًا لا يحتاجُ إلى كلمات؛

فحلمُه بكرةِ القدمِ هو له وحده، يركضُ إليه بشغفِ قلبه،

أمّا طموحُه في الطبِّ فهو من أجلي أنا، لأنّه يسمعني أُردّدُ دائمًا:

“أنتَ يا تَميمُ دكتورُ قلبي.”

ومنذُ أن بدأ يرسمُ ملامحَ مستقبله، وهذا الصراعُ يسكنه.

ليس صراعًا بين طريقين متناقضين، بل بين نداءِ القلب ونداءِ الوفاءِ.

بين ما يتمناه لنفسه، وما يتمناه لأمٍّ علّقت على كتفيه أمنياتها ودعواتها.

وأنا، كأمٍّ خبرتُ تقلّبات الحياة، أُدركُ أنَّ الملاعبَ قد تهدأ، وأنَّ التصفيقَ يذوبُ كما يذوبُ الصدى، وأنَّ الشهرةَ ضيفٌ عابرٌ لا يمكثُ طويلًا.

أمّا العلمُ، فهو نورٌ لا ينطفئ، ومجدٌ لا تحدّه سنوات، وأثرٌ يبقى حتى بعد أن تخفت الأضواء وتتوارى الأسماء.

كرةُ القدمِ قد تمنحُه لحظاتٍ من البريق،

لكنَّ الطبَّ يمنحُه عمرًا كاملًا من التأثير.

الملعبُ يصنعُ نجمًا،

أمّا العلمُ فيصنعُ إنسانًا يضيءُ حياةَ الآخرين.

ومع ذلك، فإنَّ الأمومةَ لا تُحبُّ أن تُطفئ الأحلام، بل تتمنّى لها أن تنضجَ في الوقت المناسب.

فإن اختار تميمُ أن يركضَ خلفَ الكرة، سأكونُ أولَ من يصفّقُ له.

وإن اختار أن يرتدي المعطفَ الأبيض، سأراهُ وقد حقّقَ الحلمَ والطموحَ معًا؛ حلمَه الذي أحبَّه، وطموحي الذي زرعتُه في قلبه.

وأؤمنُ أنَّ اللهَ إذا أراد لعبدٍ خيرًا، جمعَ له بين شغفِ القلبِ ورسالةِ العمر.

فلعلَّ تَميمًا يكتبُ يومًا قصّتَه الخاصة؛

لاعبًا حملَ اسمَ وطنه في الملاعب،

وطبيبًا حملَ الرحمةَ في يديه،

وابنًا بارًّا أدرك أن أعظمَ الانتصارات ليست تلك التي تُرفعُ فيها الكؤوس، بل تلك التي تُرفعُ فيها رؤوسُ الأمهات فخرًا

تَميم..

امضِ حيثُ يقودُك الله، ولا تخشَ الاختيار.

فما دام قلبُك نقيًّا، ونيّتُك صادقةً، فإنَّ كلَّ طريقٍ تسلكُه سيقودُك إلى المجد.

وستبقى في عيني، سواءٌ حملتَ الكرةَ في الملعب، أو حملتَ السماعةَ في المستشفى، بطلي الذي حقّقَ لوطنه شرفًا، ولقلبِ أمِّه حياةً كاملةً من الفخر.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights