الخميس: 12 مارس 2026م - العدد رقم 2852
مقالات صحفية

من كربلاء إلى غزة

 

جابر حسين العماني
عضو الجمعية العُمانية للكتاب والأدباء
[email protected]

في عام 61 للهجرة، شهدت أرض كربلاء واقعة الطف الفظيعة التي استشهد فيها الإمام الحسين بن علي وأهل بيته وأصحابه الكرام، والتي شكلت ملحمة تاريخية خالدة، خلدها التاريخ بما فيها من تضحيات وفداء في سبيل الله تعالى، وقد رفعت فيها السيوف والأسنة والرماح في وجه الحق وأصحابه.
وقد أحدثت تلك الفاجعة الأليمة حدثا عظيما في نفوس المؤمنين، لا يزال حيا لا يغيب عن الأذهان. ومنذ ذلك الوقت أصبح المنصفون يعلمون جيدا أن الحق المتمثل في القيم والمبادئ الإنسانية لا يمكن هزيمته بالسيوف والرماح والأسنة، وأن الدم عندما يسفك في سبيل الله والدفاع عن الكرامة يؤدي إلى الخلود ورفعة الشأن في الدنيا والآخرة، بل ويمثل حافزا عظيما لإيقاظ الأمة من سباتها.
وبعد أكثر من ألف وأربع مائة عام تقف اليوم أيضا مدينة أخرى على خط ذلك الدم المقدس وهي غزة الجريحة وأهلها الكرام محاصرون إلا من كرامتهم، ينظرون بعيونهم إلى الشعوب التي خذلتهم وتركتهم وحيدون يرفعون أكف الدعاء إلى الله تعالى كما فعل الحسين بن علي في عرصات كربلاء وفي يوم عاشوراء، وهو يخاطب الله سبحانه وتعالى قائلا: “إِلَهِي إِنْ كَانَ هَذَا يُرْضِيك فَخُذْ حَتَّى تَرْضَى.”
لقد أصبحت غزة الجريحة اليوم نساؤها تسبى كما سبيت بنات الرسالة في كربلاء، وأطفالها تذبح من الوريد إلى الوريد كما ذبح عبد الله الرضيع وهو في أحضان أبيه الحسين عليه السلام، ورجالها الكرام يقتلون الواحد تلو الآخر، يمثل بأجسادهم كما مثل بجسد الحسين وأبنائه وأصحابه، ومع ذلك فهم صامدون بعزتهم واصرارهم وعزمهم الذي لا يلين، لا يعترفون إلا بالحق ونصرته كما فعل ريحانة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الإمام الحسين بن علي في واقعة الطف الأليمة.
اليوم عندما نتأمل التاريخ الإسلامي وما جرى في أرض كربلاء العزة والخلود، نجد أن الدم الثائر انتصر على السيف، وأن الكرامة لم تهزم ولم تذل ولو للحظة واحدة. وها هو التاريخ يعيد نفسه، ففي غزة الأبية ما زالت الدماء تكتب التاريخ وتخلده بدماء شهدائها الأبرار وتجعله زاهيا بالكرامة والعزة والنصر المؤزر، كما كان ذلك في يوم كربلاء عندما تخلى الناس عن الحسين بن علي ومن معه، إلا أنه انتصر بتمسكه بمبادئه وقيمه.
وبالرغم من تخلي العديد من الشعوب عن أهل غزة، إلا أن أهل غزة لم يستسلموا، بل صمدوا بإيمانهم وثباتهم. فلم تمت غزة الأبية، كما لم تمت كربلاء، وذلك لأن من على أرض غزة وأرض كربلاء آمنوا بشعار “هَيْهَاتَ مِنَّا اَلذِّلَّةُ”، وهو الشعار الذي لا يزال يتردد في أوساط الشرفاء من أهل العالم..
لم تكن كربلاء الخلود حكاية عادية من الماضي تقرأ على المنابر وتدون في الصحف والمجلات والكتب التاريخية، بل كانت ولا زالت هي القضية المقدسة التي تتردد على أسماع المستضعفين في كل زمان ومكان، وكذلك الحال اليوم في غزة الجريحة التي أصبحت في زماننا هذا هي الأكثر نزفا للدماء الطاهرة.
لقد خرج الإمام الحسين إلى كربلاء ليصدح بصوت الحق أمام أهل الباطل ويقول لهم بكل شجاعة: “أَنِّي لَمْ أَخْرُجْ أَشِراً وَلاَ بَطِراً وَلاَ مُفْسِداً وَلاَ ظَالِماً وَإِنَّمَا خَرَجْتُ لِطَلَبِ اَلْإِصْلاَحِ فِي أُمَّةِ جَدِّي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ”، وها هم كذلك أهل غزة يصدحون بأصواتهم ليلا ونهارا حتى بحت وهم ينادون: لن نركع إلا لله، ولن نخون دماء الشهداء الأبرار، ولن نتخلى عن أرضنا الغالية بل سنحفظ قضيتنا إلى يوم يبعثون، وإنه لجهاد نصر أو استشهاد.
ختاماً: إن نصرة الإمام الحسين بن علي عليه السلام لا تقتصر على واقعة كربلاء أو في زمان محدد أو معين، بل تمتد لتشمل كل زمان ومكان، وذلك من خلال التمسك بنهج الحق وإعلاء كلمته، وإزهاق الباطل. وتتجسد النصرة الحقيقية اليوم في دعم صمود أهل غزة الأبية، وذلك من خلال الوقوف إلى جانبهم بالدعاء والمواقف العادلة والمنصفة والشجاعة والإقدام، وتقديم الدعم المادي والمعنوي بكافة الوسائل المتاحة.
وكما ذرفت الأمة دموعها على مصاب الإمام الحسين ونهجه في مقاومة الظلم، فإن من الوفاء لذلك النهج أن نتشارك اليوم آلام أهل غزة، وأن نسعى بكل ما أوتينا لرفع الظلم عنهم، والمساهمة في تحقيق النصر والعزة لهم.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights