الأحد: 08 مارس 2026م - العدد رقم 2848
مقالات صحفية

الدراما العُمانية: من الريادة الصامتة إلى ضرورة التحول الاستراتيجي

يعقوب بن راشد بن سالم السعدي

لم تكن الدراما العُمانية يوماً وليدة الصدفة، ولا هامشاً في مسار النهضة الثقافية، بل كانت في سنواتها الأولى واحدة من أكثر التجارب جرأةً وصدقاً في التعبير عن المجتمع العُماني، وهو لا يزال في طور تشكّل وعيه الحديث.
غير أن هذه الريادة المبكرة لم تُستثمر كما ينبغي، فتوقفت الدراما عند حدود التجربة، ولم تتحول إلى مشروع وطني متكامل قادر على التطور والمواكبة والمنافسة.
اليوم، ونحن نعيد النظر في موقع الدراما العُمانية، لا نفعل ذلك من باب الحنين، بل من باب المسؤولية الثقافية، ومن إدراكٍ عميق بأن الفن الدرامي لم يعد ترفاً، بل أداة وعي، وقوة ناعمة، واستثماراً اقتصادياً وسياحياً وسياسياً بامتياز.

في بدايات النهضة، وضمن إمكانيات تقنية متواضعة، استطاعت الدراما العُمانية أن تقدم أعمالاً لامست المجتمع، وتحدثت بلغته، واشتغلت على قضاياه اليومية دون ادعاء أو تصنّع. كان النص قريباً من الناس، وكان الأداء صادقاً، وكانت الدراما آنذاك جزءاً من المشهد الثقافي العام، لا مبتذلة ولا معزولة.
غير أن هذه المرحلة، وبدلاً من أن تُستكمل ببناء مؤسسات إنتاج وتدريب وتخطيط، تُركت للاجتهادات الفردية، فغابت الرؤية الشاملة، وتلاشت فرص التطوير. ولم يكن تعثر الدراما العُمانية ناتجاً عن نقص المواهب، ولا عن فقر الحكايات، بل عن غياب المشروع، وتقدّم منطق التحفّظ على منطق الإبداع.
شيئاً فشيئاً، أصبحت العيون الرقابية تسبق الجودة الأدبية والفنية، وأصبح النص يُوجَّه إلى ما لا يجب قوله أكثر مما يُوجَّه إلى ما يجب قوله. هذا المناخ أفرز أعمالاً آمنة محدودة الأثر، تفتقر إلى الجرأة الفكرية، ولا تواكب التحولات الاجتماعية العميقة التي شهدها المجتمع العُماني خلال العقود الأخيرة، كما أحدث في بعض الأعمال ثغراتٍ كبيرة وفجوةً أثارت حفيظة المجتمع العُماني؛ إذ جاءت أعمال تفتقر إلى الجرأة، فبدت سطحية لا تخدم شيئاً سوى الإسفاف.

تمتلك سلطنة عُمان واحداً من أغنى المخزونات الدرامية في المنطقة؛ تاريخاً ممتداً من البر إلى البحر، وعلاقاتٍ حضارية مع إفريقيا وآسيا، وتنوعاً جغرافياً وإنسانياً نادراً، وموقعاً استراتيجياً سياسياً واقتصادياً، وسردياتٍ بحرية وتجارية وإنسانية عميقة. ومع ذلك، ظل هذا الكنز شبه غائب عن الشاشة، ولم يتحول إلى أعمال درامية كبرى تليق به، كما فعلت دول أقل ثراءً في المادة التاريخية والجغرافية.
لماذا نحتاج اليوم إلى دراما عُمانية قوية؟ لأن الدراما تصنع صورة الوطن في الخارج، وتعيد قراءة التاريخ بوعي معاصر، وتفتح نقاشاً اجتماعياً ناضجاً، وتدعم السياحة والاقتصاد الإبداعي، وتحفظ الذاكرة الوطنية من التبسيط والتشويه.
إن النهوض بالدراما لا يتحقق بالشعارات، بل عبر مسارات واضحة يمكن تلخيصها في النقاط التالية:
أولاً: الانتقال من الإنتاج إلى التخطيط؛ إذ نحتاج إلى استراتيجية وطنية للدراما تُحدِّد نوعية الأعمال المطلوبة، والفئات المستهدفة، والمدى الزمني للتنفيذ، وآليات التمويل والتقييم.
ثانياً: تحرير النص بوصفه حجر الأساس؛ فلا دراما بلا نص قوي. ودعم الكاتب، وتوفير مساحات آمنة للتجريب، وتقبّل الطرح العميق دون تخوين أو تخويف، هو المدخل الحقيقي لأي نهضة درامية.
ثالثاً: تحويل عُمان إلى منصة تصوير وإنتاج؛ فالتنوع الطبيعي، والاستقرار، والبنية السياحية، عوامل تجعل من عُمان موقعاً مثالياً للإنتاج المحلي والمشترك، شريطة تسهيل الإجراءات وبناء شراكات ذكية.
رابعاً: الاستثمار في التاريخ دون تحويله إلى متحف للدراما التاريخية؛ فهي ليست سرداً للوقائع فقط، بل قراءة إنسانية للصراع والتحول، وهذا يتطلب كتّاباً وباحثين ومخرجين يعملون بروح واحدة.
خامساً: بناء جسور بين الأجيال؛ فلا إقصاء للخبرة، ولا احتكار للشباب. فالدراما تزدهر حين تلتقي التجربة الطويلة بالدراسة والرؤية الجديدة.

لا بد أن يدرك الجميع أن الدراما جزء من مشروع النهضة المتجددة؛ فالدراما العُمانية ليست أزمة موهبة، بل أزمة قرار، وليست نقصاً في الحكاية، بل تأجيلاً لروايتها.

وحين نؤمن بأن الدراما ليست مجرد شاشة، بل وعياً يُصاغ، وهويةً تُقدَّم، ومستقبلاً يُبنى، سنكتشف أن الطريق إلى النهوض أقصر مما نتصور، شرط أن نمتلك الجرأة على البدء.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights