اكتب أهدافك وكأنها أصبحت واقعاً

د. إنعام بنت محمد المقيمية .. أكاديمية ومستشارة نفسية
من أكثر ما يرهق الإنسان ليس كثرة التحديات، وإنما أن يفقد الصورة التي يسير نحوها. فالإنسان حين لا يرى مستقبله بوضوح، تتراجع دافعيته، ويضعف صبره، وربما استسلم قبل أن يصل إلى غايته.
ومن الأساليب التي يلجأ إليها المختصون في علم النفس لتعزيز الدافعية وترسيخ الأمل، أن يدون الإنسان أهدافه بصيغة الحاضر، وكأنه يعيشها بالفعل. وليس المقصود بذلك إنكار الواقع أو الادعاء بأن الغيب قد تحقق، وإنما بناء صورة ذهنية إيجابية تدفعه إلى العمل، وتغذي داخله حسن الظن بالله، وتجعله أكثر ثباتًا في طريقه.
أن تكتب مثلًا:
“أعيش حياة يغمرها السكون والطمأنينة.”
“أكرمني الله بحفظ كتابه.”
“أنفع الناس بعلمي، وأترك أثرًا طيبًا في حياتهم.”
“رزقني الله رزقًا واسعًا مباركًا.”
إن هذه العبارات ليست مجرد أمنيات مكتوبة، بل رسائل يرسلها الإنسان إلى نفسه كل يوم، فيتجه تفكيره نحو الإمكان بدل العجز، ونحو الفرص بدل العقبات، فتزداد قدرته على المثابرة والأخذ بالأسباب.
وهذا المعنى نجده جليًا في سيرة نبينا محمد ﷺ. ففي غزوة الخندق، وبينما كان المسلمون يعيشون واحدة من أشد مراحلهم؛ جوعًا، وخوفًا، وحصارًا، اعترضتهم صخرة عظيمة أثناء حفر الخندق، فضربها النبي ﷺ بالمعول، ومع كل ضربة كان يكبر ويبشر أصحابه بالمستقبل الذي وعدهم الله به. فقال: «الله أكبر، أُعطيت مفاتيح الشام… والله إني لأبصر قصورها الحمر الساعة»، ثم قال في الضربة الثانية: «الله أكبر، أُعطيت مفاتيح فارس… والله إني لأبصر قصر المدائن الأبيض»، ثم قال في الثالثة: «الله أكبر، أُعطيت مفاتيح اليمن… والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني هذا».
كانت تلك الكلمات تُقال في لحظة لم يكن الواقع فيها يوحي بشيء من ذلك؛ بل كانت الأحزاب تحيط بالمدينة، والخوف يملأ القلوب، والمسلمون يواصلون الحفر بأيديهم. ومع ذلك، جمع النبي ﷺ بين العمل الشاق، والرؤية المشرقة، واليقين بوعد الله. فلم يكن التفاؤل بديلًا عن العمل، ولم يكن العمل خاليًا من الأمل.
ومن هنا، فإن كتابة الأهداف ليست ممارسة شكلية، وإنما وسيلة لتنظيم الفكر، وتعزيز الثقة، واستحضار الغاية التي يسير الإنسان نحوها. فالعقل يتفاعل مع الصور الذهنية المتكررة، وكلما كانت أهدافه واضحة، ازدادت قدرته على اتخاذ القرارات التي تقرّبه منها.
اكتب أهدافك، طموحاتك، أحلامك، واملأ قلبك بحسن الظن بالله، فالأمل الذي يصنع الإنجاز ليس أملًا يعيش في الخيال، بل أملٌ يستند إلى يقين بالله، وعملٍ متواصل، وصبرٍ لا ينقطع.


