أغلقت منصة «إكس»… فبدأت أكتب حياتي
حمدان بن هاشل العدوي
عضو الجمعية العُمانية للكتاب والأدباء
عضو الجمعية العُمانية للأشخاص ذوي الإعاقة
أؤمن بأن الأفكار الكبيرة لا تبدأ بخطواتٍ كبيرة، وإنما بعادةٍ صغيرة يلتزم بها الإنسان كل يوم.
وأعترف بأنني منحت منصة «إكس» (تويتر سابقًا) مساحةً من وقتي أكبر مما تستحق، حتى اكتشفت أن الحياة كانت تنتظرني خارج الشاشة.
حينها اتخذت قرارًا قد يبدو عاديًا للبعض، لكنه كان بالنسبة إليَّ نقطة تحول حقيقية؛ فقد أغلقت المنصة نهائيًا، ليس لأن وسائل التواصل الاجتماعي سيئة، بل لأنني كنت بحاجة إلى استعادة شيء أثمن منها… الوقت.
سألت نفسي سؤالًا بسيطًا: ماذا يمكن أن يحدث لو استثمر الإنسان الوقت الذي يستهلكه يوميًا في التصفح في مشروع يبقى أثره، بدلًا من كلماتٍ تتدفق سريعًا ثم تتوارى في زحام المنشورات؟
ومن هنا وُلد مشروع شخصي بدأت العمل عليه منذ الأول من يناير 2026م، يقوم على فكرة بسيطة، لكنها بالنسبة إليَّ ذات معنى عميق: أن أكتب صفحةً واحدة كل يوم، دون انقطاع، حتى الحادي والثلاثين من ديسمبر 2026م، ليكتمل كتاب من 365 صفحة، كُتبت على امتداد عامٍ كامل.
لم أضع لنفسي هدفًا بكتابة عشرات الصفحات يوميًا، ولم ألهث خلف إنجاز سريع، بل التزمت بصفحة واحدة فقط كل يوم. وقد تبدو صفحة واحدة أمرًا يسيرًا، لكنها مع الاستمرار تتحول إلى مشروع، ثم إلى منجز، ثم إلى أثر.
ولم يكن هدفي مجرد الوصول إلى الرقم (365)، بل أن تكون كل صفحة جديرة بالقراءة، وكأنها كتاب صغير مستقل بذاته. فالكتابة في الأيام الجميلة ليست صعبة، أما الكتابة حين يثقل القلب، أو ينشغل العقل، أو يداهم الإنسان التعب، فهي التي تكشف صدق الالتزام، وتصنع الفارق الحقيقي.
ولعل أكثر ما يثير فضولي أنني لا أعرف أي الصفحات ستكون الأقرب إلى القارئ. فربما يجد أحدهم صفحةً كأنها كُتبت عنه، ويقرأ آخر فكرةً توقظ فيه مشروعًا مؤجلًا، أو تفتح أمامه باب رواية لم تبدأ إلا من سطر واحد.
ولهذا لا أنظر إلى هذه الصفحات بوصفها نصوصًا متتابعة، بل أراها حيواتٍ مكتوبة؛ لكل صفحة عالمها الخاص، ولكل فكرة فرصة لأن تعيش عمرًا أطول من صاحبها.
وعندما يكتمل هذا المشروع في نهاية العام، فلن يكون بين يدي القارئ كتاب يفرض عليه أن يبدأ من الصفحة الأولى وينتهي عند الأخيرة، بل كتاب يستطيع أن يفتحه من أي موضع، فيجد فكرة، أو سؤالًا، أو تجربة، أو شعورًا، وربما يجد شيئًا من نفسه.
ولست أدّعي أن هذا الكتاب سيغيّر حياة الناس، لكنني أؤمن بأن الكتاب الجيد لا يُقاس بعدد صفحاته، بل بعدد المرات التي يجد فيها القارئ نفسه بين سطوره.
لقد أغلقت منصةً رقمية، لكنني، في المقابل، فتحت نافذةً أوسع على نفسي، وعلى الحياة، وعلى الكتابة.
وأدركت أن بعض القرارات الصغيرة قد تغيّر مسار العمر كله.
فأحيانًا… تكفي صفحة واحدة لتروي عمرًا كاملًا، وإذا صادفت الصفحة التي تشبهك، فربما كانت تنتظرك منذ اليوم الذي كُتبت فيه.


