مقالات صحفية

أكثر من رياضة!

إسماعيل بن مسعود بن غفيل الراشدي

اعتدنا أن ننظر إلى الرياضة بوصفها منافسة تبدأ مع صافرة البداية وتنتهي مع صافرة النهاية، لكنها في حقيقتها أوسع من ذلك؛ فهي مرآة تعكس ثقافة الشعوب وقيمها ومبادئها. وعندما يلتقي الإبداع الرياضي بالأخلاق الرياضية، يصبح الانتصار أعمق من مجرد نتيجة، ويتجاوز حدود الملعب ليترك أثره في الوجدان.

وبطبيعتنا البشرية، كثيرًا ما نتفاعل مع المواقف الإنسانية بقدر تفاعلنا مع الإنجازات الرياضية، فإذا اجتمع الأداء المتميز مع الموقف الأخلاقي، ازداد تأثير الحدث ورسخت ذكراه في النفوس.

ولعل بطولة كأس العالم الأخيرة قدمت نماذج متعددة لهذا التفاعل. فقد أعجب كثير من المتابعين، وأنا منهم، بالمستوى الفني الذي قدمه المنتخب الإسباني، لما اتسم به من استحواذ إيجابي، وانضباط تكتيكي، وروح جماعية ظهرت بوضوح طوال مباريات البطولة. وفي المقابل، تعاطف آخرون مع مسيرة النجم ليونيل ميسي، وما قدمه من أداء لافت في هذه المرحلة من مسيرته الرياضية، مؤكدًا أن الإصرار والطموح لا يقفان عند عمر معين، إلى جانب ارتباط جماهير واسعة بمنتخب الأرجنتين.

وفي تقديري، فإن كرة القدم كثيرًا ما تنصف الفريق الأكثر تكاملًا؛ فالنجاح الحقيقي لا يصنعه الفرد وحده، وإنما تصنعه المنظومة المتماسكة.

ولم تقتصر دوافع التشجيع على الجوانب الفنية فحسب، بل امتدت لدى بعض الجماهير إلى مواقف إنسانية وسياسية ارتبطت بما تابعوه من مواقف وتصريحات ومضامين إعلامية، ومن بينها ما يتعلق بالموقف الإسباني الداعم لحقوق الشعب الفلسطيني، وهو ما جعل شريحة من المشجعين تنظر إلى البطولة من زاوية تتجاوز حدود المنافسة الرياضية.

كما لفتت الأنظار بعض الرسائل الرمزية التي رافقت الاحتفالات والمواقف الفردية لعدد من اللاعبين والجماهير، والتي عُدَّت، في نظر كثيرين، تعبيرًا عن التضامن مع الشعب الفلسطيني. وقد أسهمت هذه المواقف في توسيع دائرة الاهتمام بالقضية، وأكدت أن الرياضة قادرة أحيانًا على إيصال رسائل إنسانية تتجاوز لغة السياسة.

وفي السياق نفسه، برز حضور المنتخب المصري، وما ارتبط به من مواقف رمزية أبدى فيها بعض أفراده تضامنهم مع القضية الفلسطينية، وهو ما لقي تفاعلًا واسعًا لدى قطاعات من الجماهير العربية والإسلامية، التي رأت في تلك المواقف تعبيرًا عن قيم إنسانية تتجاوز حدود المنافسة داخل المستطيل الأخضر.

ولعل أكثر ما يميز الرياضة أنها تمنح الشعوب فرصة للالتقاء حول القيم النبيلة؛ فالنتائج قد تتغير، والكؤوس تنتقل من فريق إلى آخر، لكن المواقف الصادقة تبقى حاضرة في الذاكرة، لأنها تخاطب الضمير قبل أن تخاطب المشاعر.

وبرغم أن المنتخب المصري لم يحقق النتيجة التي كان يتمناها أنصاره، فإن أداءه وروحه القتالية، إلى جانب ما ارتبط به من مواقف إنسانية، أكسباه احترام كثير من المتابعين، وأكد أن قيمة الرياضة لا تقاس فقط بعدد الأهداف أو الألقاب، وإنما بما تتركه من أثر في النفوس.

تحية لكل رياضي يجعل من الملعب مساحة للتنافس الشريف، ومن الرياضة وسيلة لترسيخ قيم الاحترام والإنسانية، فالمباريات تنتهي، أما المواقف النبيلة فتبقى شاهدة على أصحابها، وتظل صفحات التاريخ تحفظها للأجيال.

فالرياضة قد تنتهي بصافرة الحكم، أما المواقف الإنسانية المشرفة فتبقى خالدة، لأنها تكتب في ذاكرة الشعوب قبل أن تكتب في سجلات البطولات.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights